الصفحة 5 من 142

إذا قلنا إن التاريخ البشري -خارج نطاق الأمة الإسلامية- ينبغي أن تعاد كتابته من زاوية الرصد الإسلامية التي تقيس الإنجاز البشري بالمعيار الرباني، أي بمدى تحقيق الإنسان لغاية وجوده التي خلقه الله من أجلها، وهي عبادته وحده سبحانه بالمعنى الشامل للعبادة، الذي يشمل الاعتقاد بوحدانية الله، وتوجيه الشعائر التعبدية له وحده دون شريك، والتقيد بتعليماته في تنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض (أي تطبيق الشريعة الربانية) ، وعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني ..

إذا قلنا هذا بالنسبة للتاريخ البشري، فلأنه يُقَدّم لنا من زوايا تختلف اختلافًا جذريًا عن زاوية الرصد الإسلامية، ومعيار إنجازاته، فلزم أن نعيد كتابته ليتناسق مع الرؤية الإسلامية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فتكون لنا وحدة في التصور تتناسب مع كوننا مسلمين [1] ..

أما التاريخ الإسلامي -أي تاريخ الأمة الإسلامية- فعلى أي أساس نقول إنه يجب أن تعاد كتابته؟ ما الهدف من إعادة الكتابة؟ وما العيب فيما هو مكتوب بالفعل؟ ما نواحي التقصير التي نريد أن نستكملها، أو نواحي الانحراف التي تريد أن نتحاشاها حين نعيد كتابة التاريخ؟

الحقيقة أن هناك عدة ملاحظات في أكثر من اتجاه، تجعلنا نلح على ضرورة إعادة كتابة تاريخ الإسلامي.

فإننا إذا نظرنا إلى المصادر الإسلامية القديمة التي كتبها كبار المؤرخين المسلمين نجد فيها ذخيرة ضخمة من الأخبار والوقائع والروايات، تصلح زادًا للباحث المتعمق، ولكنها -بصورتها الراهنة- لا تصلح للقارئ المتعجل الذي يريد أن يجد الخلاصة جاهزة ممحصة سهلة الاستيعاب سهلة الهضم.

لقد كان أولئك المؤرخون يلتزمون الأمانة العلمية الخالصة، فيثبتون كل ما وصل إلى علمهم من معلومات، وإن تعددت الروايات وتناقضت، وإن بعدت عن الاحتمال أحيانًا .. فقد رأوا أن الأمانة تقتضي ألا يهملوا شيئًا مما سمعوا، مع نسبته إلى قائله كلما أمكن ذلك. واجتهدوا في هذا الأمر، فسعوا إلى تجميع الأخبار من مظانها بقدر ما وسعهم الجهد، ولكنهم تركوا ذلك كله بغير تمحيص، ربما بدافع الأمانة والتقوى، لكيلا يتدخلوا من عند أنفسهم بتغليب خبر على خبر، أو رواية على رواية.

ولقد كانوا يشعرون بما قد يثيره عملهم هذا عند القارئ من حيرة أو دهشة. ولكنهم فضلوا أن يدعوا القارئ مع الروايات المختلفة وجهًا لوجه، على أن يتدخلوا بينه وبينها بنفي أو إثبات أو ترجيح أو تضعيف.

يقول الطبري رحمه الله في مقدمة كتابه:"فما يكن في كتابي هذا من خير ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبَلِنا، وإنما أُتِيَ من قِبَل ناقليه إلينا، وأننا إنما أدينا ذلك على تحو ما أدّي إلينا" [2] .

ولئن كان في هذه الطريقة من مزية فهي أنها قد حفظت لنا الوقائع كلها، وما ورد فيها من أقوال، فهي من هذه الناحية مصادر ثمينة للباحث المدقق الذي يأخذ على عاتقه مهمة التمحيص. ولكن عيبها بالنسبة للقارئ العادي، وطالب العلم غير المتمرس، أنها تغرقه في خضم من الروايات والوقائع المتضاربة أو المتناقضة أحيانًا، لا يعرف لنفسه طريقًا للخلوص منها بنتيجة محددة، ومن ثم لا تحقق له بغيته من قراءة التاريخ ودراسته، فلا هو يملك الصبر ولا المقدرة الفنية التي يستطيع بها أن يمحص الروايات المختلفة ويرجح بعضها على بعض.

وإذا نظرنا من ناحية أخرى إلى معظم المراجع الحديثة المتأثرة بالمنهج الاستشراقي، نجدها مكتوبة في صورة جذابة مغرية بالقراءة! فهي -من ناحية الشكل- مناسبة كل المناسبة للقارئ المعاصر، مبوبة مفهرسة، مثبتة فيها مراجعها. ثم هي من ناحية أخرى توصل القارئ إلى نتيجة محددة، ولا تتركه يغرق في الروايات المتعارضة يضرب فيها بلا دليل.

ولكن عيبها -من الناحية المنهجية- أن أغلبها بعيد عن الأمانة العلمية الواجبة، ملون تلوينًا خاصًا لتحقيق هدف معين، تكنّه صدور لا تحب الخير لهذا الدين!

وسواء كانت هذه المراجع من تأليف المستشرقين مباشرة، أو من تأليف تلاميذهم الذين ينقلون عنهم، ويتأثرون بروحهم، ويتبنون دعاواهم، ثم ينتحلونها لأنفسهم ويضعون عليها أسماءهم .. فهي في الحالين صادرة عن أناس لم يتحروا الحقيقة المجردة، بل تجاوزوا ذلك -في حالة المستشرقين- إلى

(1) قلنا ذلك في كتاب"حول التفسير الإسلامي للتاريخ"وفصلنا الأسباب الداعية إليه، وبينا الأسس التي ترى وجوب كتابة التاريخ البشري بمقتضاها.

(2) تاريخ الطبري 1/ 8 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الرابعة، دار المعارف بمصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت