التشويه المتعمد، الذي يتزيّا بالزي العلمي تمويهًا وزيادة في الكيد؛ أما في حالة الناقلين عنهم، فهي الغفلة التي لا تدرك الأهداف الحقيقية للكيد الاستشراقي، ويسوقها الانبهار إلى حالة من عدم الوعي لا يميزون فيها بين الحق والباطل.
يقول تعالى في شأن أهل الكتاب الذين منهم المستشرقون الذين نأخذ عنهم تاريخنا:
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [1] .
ويقول تعالى مخاطبًا المسلمين في شأن الركون إلى هؤلاء، والأخذ عنهم، والاستماع إليهم:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ، هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ .. ) [2] .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) [3] .
(وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) [4] .
وكونهم لبسوا مسوح العلم، وتظاهروا بالموضوعية والنزاهة العلمية، لا يجوز أن يخدعنا عن حقيقتهم، فالبضاعة التي يتداولونها، ويظلون يُبدئون ويعيدون فيها، هي ذات البضاعة التي تداولها أسلافهم، الذين كلفتهم الكنيسة بالكتابة ضد الإسلام في العصور الوسطى، وشجعتهم عليها، لتشويه صورة الإسلام في نفوس الأوروبيين وتنفيرهم منه، لصد ما يمكن أن نطلق عليه"الغزو الفكري الإسلامي"الذي كان يتوغل في أوروبا قادمًا من الأندلس والشمال الأفريقي وصقلية الإسلامية والمشرق العربي وغيرها من البلاد التي يذهب إليها المبتعثون الأوروبيون لطلب العلم في المعاهد الإسلامية، فيعودون وقد ملأهم الإعجاب والتقدير للإسلام والمسلمين، مما أزعج الكنيسة إزعاجًا شديدًا فقامت بحملة تشويه ضخمة لإبعاد الإسلام عن أوروبا، أو بالأحرى إبعاد أوروبا عن الإسلام.
فإن كان شيء قد تغير في هذه البضاعة القديمة المعادة، فهو أنها اليوم تستخدم لفتنة المسلمين عن دينهم بعد أن نجحت أول مرة في صد أوروبا عن الإسلام، وربما اقتضى ذلك أن تختفي الشتائم المقذعة التي استخدمت في الجولة الأولى أو تخفف شيئًا ما، مع التظاهر بالموضوية ومنهجية البحث، بل ربما اقتضى الأمر ما هو أخبث من ذلك من دس شيء من الإطراء للإسلام والمسلمين بين الحين والحين، لتخدير القارئ المسلم، وجعله يثق بما يقوله هؤلاء"العلماء النزيهون""المنهجيون"، فيتناول السم مدسوسًا في العسل دون أن يلتفت إليه، بل يتناوله شغوفًا به منبهرًا بحلاوته!
والخدعة قديمة أنبأنا بها رب العالمين في كتابه المنزل:
(وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ .. ) [5] .
والهدف كذلك واضح! هو قتل روح الاعتزاز بالإسلام والتاريخ الإسلامي في نفس القارئ المسلم، وتحويل هذا الاعتزاز إلى نوع من النفور والامتعاض، يؤدي بالقارئ في النهاية أن ينفض يده من هذا التاريخ وأصحابه، وأن يصرف النظر عن محاوله استئناف هذا التاريخ من جديد!
وهم في سبيل ذلك لا يتورعون عن الكذب"العلمي!"على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه رضوان الله عليهم، كما قال"فلهوزن"مثلًا في كتابه"الدولة العربية"إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عاهد اليهود وهو ضعيف في أول عهده بالدينة، فلما تقوى نقض عهده معهم [هو
(1) سورة آل عمران: 71.
(2) سورة آل عمران: 118 - 119.
(3) سورة آل عمران: 100.
(4) سورة البقرة: 120.
(5) سورة آل عمران: 72 - 73.