الإسلام هو الوجه المقابل للجاهلية.
فحيث كانت الجاهلية هي الجهل بحقيقة الألوهية، واتباع غير منهج الله، فإن الإسلام هو المعرفة الحقة بالله، واتباع منهج الله.
وينبغي أن تكون دراستنا للتاريخ الإسلامي فرصة حقيقية لدراسة الإسلام.
فمن الناحية العلمية البحتة -بصرف النظر عن كوننا مسلمين، وبصرف النظر عن كون دراستنا هادفة- فإننا لا نستطيع أن نتحدث عن تاريخ أي حركة حدثت في الأرض وأثرت في شعب من شعوبها، دون أن تتعرض لهذه الحركة ذاتها بالدراسة، لتتبين مبادئها واتجاهاتها وأهدافها، ثم نتبين كيف استطاعت أن تسير في التطبيق العملي: إلى أي حد حققت تلك المبادئ والاتجاهات والأهداف في عالم الواقع، وإلى أي حد انحرفت عنها أو قصرت في أدائها.
فإذا كان هذا منهجنا من الوجهة العلمية البحتة مع أية حركة في الأرض، فهو أولى أن يكون كذلك مع الإسلام -بصرف النظر عن كوننا مسلمين- وذلك بالنظر إلى حجم الحركة الإسلامية في الأرض وفي التاريخ. ففي الأرض امتدت من المحيط للمحيط، وفي التاريخ امتدت أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان. وإن حركة بهذا الحجم الهائل لهي حقيقة بدراسة مبادئها وقيمها وأهدافها، والمحور الذي تقوم عليه، توطئة لدراسة تاريخها الواقعي. وإن المستشرقين أنفسهم ليصنعون ذلك في دراستهم، إذ يبدأون درراسة التاريخ الإسلامي بدراسة الإسلام ذاته، وإن كانت دراستهم ملونة دائمًا بذلك الهوى الذي يلوي قلوبهم بعيدًا عن الإسلام (إلا أن يؤمنوا به ويصبحوا مسلمين!) :
(وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [1] .
(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [2] .
(وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) [3] .
فإذا أضفنا إلى المقتضيات المنهجية البحتة أن ها هو تاريخنا نحن، وهذا كياننا الذاتي، فحن أولى أن نبدأ دراستنا للتاريخ الإسلامي بدراسة مستفيضة عن الإسلام، تجعلنا نتعرف عليه من أول الطريق، فنساير تاريخه ونحن عالمون تاريخ أي شيء هو على وجه التحديد، ونساير هذا التاريخ ومعنا"الكشاف"الذي يبين لنا معالم الطريق، لنعلم في أثناء دراستنا أين سار التاريخ في خطه الصحيح، وأين انحرف عن الجادة.
فإذا أضفنا إلى ذلك أن من أهداف هذه الدراسة أن نقيم تعارفًا جديدًا بيننا وبين الإسلام، لأننا أصبحنا غرباء عنه في الواقع، كما أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" [4] كما أن من أهدافها التعرف -من خلال التاريخ- على ذاتيتنا المفقودة، التي بعثرتها وغشت عليها تيارات دخيلة شتى، وانحرافات كثيرة .. فذلك كله يجعل هذه الدراسة للإسلام في مبدأ تعرضنا لدراسة التاريخ الإسلامي أمرًا لا محيص عنه.
ومع ذلك فما أقل ما نعنى بهذا الجانب في دراستنا!
كأنما نأخذ الأمر على أنه بديهية مسلمة لا تحتاج إلى إيضاح .. أو كأنما نكل هذا الأمر إلى درس الدين، ونرى من التكرار الذي لا مبرر له أن نتكلم عنه مرة أخرى في درس التاريخ .. أو كأنما نرى -بالعدوى"العلمانية"- أن دراسة التاريخ ينبغي أن تبعد تمامًا عن أي ظل"للدين"، حتى لا يفسد الدين"الروح العلمية"للبحث!
وهذه المبررات كلها لا تبرر!
(1) سورة البقرة: 120.
(2) سورة البقرة: 109.
(3) سورة الأحقاف: 11.
(4) أخرجه مسلم.