الصفحة 27 من 142

وسأمضي في طرقي، شئت هذا أم أبيت ...

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟! لست أدري!!

فهو إنما يعبر عن تلك الضلالة والحيرة التي تمارسها كل جاهلية حين لا تهتدي إلى الجواب. وهي حيرة مشقية مضنية للنفس والروح، وإن حاول الإنسان الفرار منها بكل متاع الأرض الحسي!

والجاهلية المعاصرة بكل ما تشتمل عليه من حيرة وقلق، واضطرابات نفسية وعصبية، وخمر ومخدرات وجريمة .. نموذج واضح لحال الإنسان حين لا يجد إجابة شافية لأسئلة الفطرة: من أين جاء؟ وإلى أين يذهب بعد الموت؟ وما غاية وجوده؟ وما منهج حياته؟ وهل هناك حكمة وراء الأحداث؟!

والإشارة إلى هذه المعاني كلها أمر لازم، لكي نعرف حقيقة الإسلام حين نتحدث عنه بعد ذلك، نعرف حقيقة دوره في حياة الإنسان، فردًا وجماعة وأمة ودولة. فإنه على قدر معرفتنا"بأعماق"الجاهلية في النفس البشرية وفي واقع الحياة، نستطيع أن نتعرف على"أعماق"الإسلام!

هكذا ينبغي أن نَدرس الجاهلية على اتساعها، ولا نقف عند الجوانب القليلة التي ندرسها الآن، والتي لا تتعرض للجوهر، ولا تفي كذلك بالحديث عن كل المظاهر في الجاهلية العربية، ولا تتعرض للجاهلية كظاهرة بشرية قابلة للوجود في أي زمان وأي مكان وأي بيئة، وأي وضع"حضاري"، ولا تتعرض لجاهليات التاريخ ..

وقد لا يكون الدارس الصغير في المدرسة الابتدائية قادرًا على استيعاب كل المعاني التي أشرنا إليها في هذا الفصل، ولكن يجب على أي حال أن يعرف فكرة مبسطة عنها. أما الدارس الكبير فهو قادر ولا شك على استيعاب ذلك كله، بالتفصيل المناسب لسنه وخبراته النفسية والعقلية.

أما الدارس المتخصص فالمفروض فيه أن يلم بكل دقائق الموضوع، وأن يطلع على الشعر الجاهلي ليستخلص منه أحوال الجاهلية العربية مفصلة، إلى جانب ما ورد في القرآن الكريم من هذه الأحوال .. وأن يطلع كذلك على تواريخ الأمم القديمة: الفرعونية واليونانية والرومانية والفارسية والهندية .. إلخ ليتتبع المظاهر المختلفة للجاهليات المختلفة، مع التنبه دائمًا إلى الجوهر المشترك فيها جميعًا: الجهل بحقيقة الألوهية، واتباع غير ما أنزل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت