الصفحة 26 من 142

أما الهوى والشهوات فهي إله يعبد في الحقيقة في كل جاهلية، وليست الجاهلية العربية بدعًا في هذا الأمر:

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [1] .

تلك العبوديات الأربع: العبودية للأصنام، والعبودية للقبيلة، والعبودية لعرف الآباء والأجداد، والعبودية للهوى والشهوات، كلها جديرة بالإبراز والتوضيح، وليست العبودية للأصنام وحدها هي الجديرة بذلك، لأن التركيز عليها وحدها لا يعطي صورة حقيقية عن الجاهلية العربية حتى من حيث مظاهرها، فضلًا عن الجوهر الكامن وراءها.

ويجب كذلك ونحن ندرس الجاهلية العربية -ومثلها في هذا كثير من جاهليات التاريخ- أن نوضح أثر عدم الإيمان باليوم الآخر في حياة الناس.

إنه أثر واحد مكرر في كل الجاهليات، على اختلاف عصورها وبيئاتها ومظاهرها.

إنه الانكباب على متاع الأرض، والتشبث الشديد بالقيم المادية [2] .. فما دام العمر هو هذا العمر المحدود، وما دامت هي فرصة واحدة إذا انقضت لا تعود .."فالمنطق"إذن أن كل لحظة تمر بغير متاع خسارة لا تعوض! والمتاع هوا لمتاع الحسي، فإن من لا يؤمن بالآخرة لا يجد متاع الروح!

ألا أيهذا الزاجري أحضرّ الوغى ... وأن أشهد اللذات، هل أنت مخلدي؟! [3]

فما دام الخلود في حسه غير ممكن وغير موجود، فليعب إذن من"اللذات":

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. ) [4] .

وكذلك تصبح القيم المادية هي البارزة في الحياة، لأنها هي ذاتها أدوات المتاع. ومن ثم تسيطر الشهوات على حياة الناس، سواء شهوة المال أو شهوة السلطان أو شهوة الجنس أو غيرها من الشهوات.

كذلك ينبغي أن نلتفت إلى الضلال النفسي والروحي الذي تمارسه كل جاهلية -والجاهلية العربية من بينها- حين لا تهتدي إلى جواب عن الأسئلة الملحة التي تلح على خاطر البشر وهم سائرون في درب الحياة:

من أين؟ وإلى أين؟ وما معنى الحياة؟ وما قيمتها؟ وهل وراءها تدبير معين وحكمة معينة؟ أم هي فوضى بلا حكمة ولا تدبير؟

فحين يقول الشاعر الجاهلي المعاصر [5] :

جئت لا أعلم من أين، ولكني أتيت ...

وقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت

(1) سورة الجاثية: 23.

(2) والجاهلية المعاصرة من أبرز الأمثلة على ذلك.

(3) من شعر طرفة بن العبد.

(4) سورة آل عمران: 14.

(5) إيليا أبو ماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت