وأن العمارة في صورتها المادية متاحة للمؤمن والكافر سواء، للمصلح والمفسد سواء:
(كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) [1] .
ولكن القيمة الحقيقية الباقية في الدنيا واللآخرة هي عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني:
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [2] .
وحين ندرس الأمر على هذا النحو نكون في الواقع قد عدّلنا تعديلًا رئيسيًا كبيرًا في نظرة الدارسين وهم يدرسون التاريخ! [3] .
أما بالنسبة لمظاهر الجاهلية في الجزيرة العربية فهي كذلك في حاجة إلى مزيد من التحديد والتوضيح.
إنه لا يكفي أن نذكر عبادة الأصنام ووأد البنات وشرب الخمر ولعب الميسر وغارات السلب والنهب. فلئن كانت هذه المظاهر بارزة في الجاهلية العربية فهي ليست وحدها البارزة، وما ينبغي أن نقف عندها ونغفل غيرها من المظاهر.
لقد كان العرب في الجاهلية يمارسون عبوديات شتى .. لغير الله.
فإلى جانب تلك العبودية الواضحة للأصنام، يصلون إليها ويقدمون إليها القرابين، ويتلقون منها -أي من كهنتها0 توجيهات حياتهم فيحلون لهم ويحرّمون بغير ما أنزل الله، فيتبعونهم، وبذلك يمارسون الشرك بصوره جميعًا:
(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ) [4] .
إلى جانب تلك العبودية الظاهرة كانت هناك ثلاث عبوديات أخرى ذات أثر بعيد في حياتهم: العبودية للقبيلة، والعبودية لعرف البيئة وموروثات الآباء والأجداد، والعبودية للهوى والشهوات:
فالمعنى الذي يشير إليه الشاعر [5] :
وهل أنا إلا من غزية، إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزية أرشد!
واضح الدلالة على تلك العبودية للقبيلة، يفنى الفرد في داخلها وتذوب شخصيته. وقد كانت أقسى عقوبة توقع على فرد من الأفراد أن تخلعه قبيلته، فيصبح"خليعًا"ضائعًا لا وجود له ولا كيان!
كذلك كان الخضوع لعرف البيئة -الذي هو موروث الآباء والأجداد- عبودية حقيقية تقف في حسهم مساوية ومقابلة للعبودية لله، بل ترجح في واقع حياتهم عبوديتهم لله:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) [6] .
(1) سورة الإسراء: 20.
(2) سورة الأعراف: 32.
(3) راجع إن شئت كتاب"حول التفسير الإسلامي للتاريخ".
(4) سورة النحل: 35.
(5) هو دريد بن الصمة.
(6) سورة البقرة: 170.