الصفحة 24 من 142

"فإذا تبين ذلك [1] فالناس قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جهّال، وإنما يفعله جاهل. وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون من يهودية ونصرانية فهو جاهلية. وتلك كانت الجاهلية العامة ..."

"فأما بعد ما بعث الله الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالجاهلية المطلقة قد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم، فإنه يكون في جاهلية وإن كان في دار الإسلام .."

"والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من المسلمين ..." [2] .

ينبغي للدارسين إذن أن يكونوا على بينة من هذه الحقيقة: أن الجاهلية حالة وجدت كثيرًا في التاريخ البشري من قبل، في الجزيرة العربية وفي غيرها، وأنها قابلة للعودة حيثما وجدت عناصرها ومقوماتها في أي عصر وفي أي قرن من القرون!

ولا بأس -بل ربما ينبغي من أجل توضيح هذا المعنى وتعميقه- أن ندرس نماذج من الجاهليات البشرية الأخرى غير الجاهلية العربية، كالجاهلية الفرعونية، والهندية، واليونانية، والرومانية، والفارسية، وكلها جاهليات حفظ التاريخ ووقائعها، ولدينا بيانات كافية عنها، على أن نبرز نقطتين هاتنين تزيلان الغبش من نفس الدارس وفكره ومشاعره.

الأولى: أن مظاهر الجاهلية تختلف اختلافًا بينًا من بيئة لبيئة ومن عصر لعصر. ولكنها تستوي جميعًا في أنها كلها تجهل حقيقة الألوهية وتتبع غير ما أنزل الله.

والثانية: أن أي جاهلية من جاهليات التاريخ لم تخل من"براعات"بشرية في مختلف نواحي الحياة، ولم تخل من تحقيق بعض الخير للناس. ولكن هذا الخير الجزئي لا يؤتي ثماره الكاملة في حياة الناس، ويضيع أثره في النهاية، بسب الشر الجوهري الأكبر، وهو رفض الهدي الرباني، واتباع منهج للحياة غير منهج الله. وذلك حتى لا يفتن الدارس بمظاهر التقدم العلمي والعمراني الموجودة في بعض الجاهليات فيظن من أجل ذلك أنها ليست جاهليات! وهذه الفتنة حادثة بالفعل، وبصفة خاصة بالنسبة للجاهلية الفرعونية، والجاهلية اليونانية، والجاهلية الرومانية، وجاهلية القرن العشرين! بسبب أنها تدرس دائمًا على أنها"حضارات"ولا يذكر عنها في أي مرة أنها جاهليات! وبسبب التركيز في تلك الدراسات على جانب واحد من حياة الإنسان هو المتعلق بعمارة الأرض، دون التنبيه إلى المهمة الرئيسية للإنسان وهي عبادة الله:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [3] .

(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ .. ) [4] .

وأن عمارة الأرض هي جزء من نشاط الإنسان في الأرض وهدف من أهداف حياته:

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [5] .

ولكن المقياس الحقيقي فيها ليس كمية العمران المادي ولا درجته، إنما هو المنهج الذي تقوم عليه هذه العمارة: هل هو المنهج الرباني الذي أنزله الله على أنبيائه، أم هو أهواء البشر وشهواتهم ومطامعهم بعيدًا عن منهج الله:

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [6] .

(1) أي الشرح الذي شرح به معنى الجاهلية، واشتمالها على التصورات الخاطئة والأعمال المخالفة لما أنزل الله.

(2) من كتاب"اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم"بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، الطبعة الثانية 1369هـ- 1950م مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة ص78 - 79.

(3) سورة الذاريات: 56.

(4) سورة الأنعام: 162 - 163.

(5) سورة هود: 61.

(6) سورة الحديد: 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت