فلا الإسلام في غربته الثانية عاد بديهية مسلمة لا تحتاج إلى إيضاح .. ولا درس الدين يعطي ذلك التفسير الشامل للإسلام الذي يحتاج إليه الدارس المسلم، ولا الروح العلمية تقتضينا ونحن ندرس"تاريخ الإسلام"ألا نتعرف على"الإسلام"!
وحقيقة أننا نتعلم بحكم الأمر الواقع بضعة أشياء عن الإسلام من خلال دراستنا التاريخية. ولكنها في صورتها الحالية لا تكفي، لأنها لا تزيد كثيرًا في حجمها ونوعيتها عن المعلومات القاصرة المبعثرة التي نعطيها عن الجاهلية! وقد نكون في هذا منطقيين مع أنفسنا! فعلى قدر معرفتنا بالجاهلية تكون معرفتنا بالإسلام كما قال صاحب البصيرة النفاذة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فإذا كانت معرفتنا بالجاهلية جزئية بعيدة عن الشمول، قلنا أن نتوقع أن تكون معرفتنا بالإسلام على نفس الصورة! وإذا لم ندرك انحرافات الجاهلية ومشكلاتها، فأنى لنا أن نعرف كيف قومها الإسلام؟ بل أنّى لنا أن نعرف أن الإسلام قد قومها أصلًا، أو أنه قد نزل لتقويمها .. ما دمنا لا ندرك أنها كنت موجودة، أو أنها كانت في حاجة إلى تقويم؟!
وقد يكون من الاستطراد هنا -ونحن نتحدث عن محاولة التعرف على الإسلام من خلال معرفتنا بالجاهلية العربية- أن نتحدث عن الجاهلية المعاصرة وموقف الإسلام منها، ولكنا نقول في إشارة عابرة إن دراستنا لانحرافات هذه الجاهلية تكشف لنا على وجه التحديد مزايا الإسلام في تلك الجوانب بالذات التي انحرفت فيها الجاهلية، والزاد الذي يستطيع الإسلام أن يقدمه اليوم للبشرية الضالة ليقوّم انحرافاتها ويهديها إلى الصراط المستقيم. وكلما تعمقنا في التعرف على أمراض هذه الجاهلية ونواحي قصورها، انكشفت لنا في الوقت ذاته جوانب من عظمة الإسلام رلابما كانت خافية علينا من قبل، كما قال الشاعر القديم:"وبضدها تتميز الأشياء" [1] .
نقول للناس -بحق- إن الإسلام دعا الناس إلى عبادة الله وحده، ونبذ الشرك وعبادة الأصنام.
ولكننا لا نقول لهم -في الأغلب- كيف تكون عبادة الله وحده، وكيف يكون نبذ الشرك وعبادة الأصنام!
فإننا حين نقصر الأمر على عبادة الأصنام الحسية وحدها، ونغفل الأوثان الأخرى التي كانت معبودة في الجاهلية العربية: القبيلة، وعرف الآباء والأجداد، والهوى والشهوات .. ونقصر الشرك على شرك الاعتقاد وحده، أو شرك الاعتقاد وشرك العبادة، ونغفل شرك الاتباع .. لا نكون قد وفّينا حق"لا إله إلا الله"، ولا نكون قد عرفنا الناس بحقيقة الدعوة التي دعا إليها الإسلام!
يقول تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا) [2] .
ويعرف الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله"الطاغوت"بقوله:"هو كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانًا كان ذلك المعبود، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء" [3] .
ومن ثم فإن الكفر بالطاغوت وإخلاص العبادة لله شيء أكبر بكثير من مجرد ترك الأصنام المحسوسة والتوجه إلى الله بشعائر التعبد .. إنه منهج حياة كامل، يشمل التصورات والمشاعر، كما يشمل الواقع السلوكي للإنسان:
(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ .. ) [4] .
إنه نزع"الألوهية"عن كل شيء، وكل أحد إلا الله، ونزع الشرعية عن كل وضع، وكل شرع، وكل عرف لم يأذن به الله، وبالتالي عدم إطاعة شيء من ذلك كله .. وإلا تحول إلى طاغوت، إذا دان له الناس بالطاعة فقد خرجوا من عبادة الله.
وإذا كان معنى"لا إله إلا الله"نفي الألوهية عن كل شيء في الوجود، وإثباتها لله وحده بلا شريك، فإن الإيمان بهذه الحقيقة لا بد أن تكون له مقتضيات شاملة في حياتنا، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أدخلتها في"الدين".
وهذا هو الإسلام!
(1) راجع إن شئت حول اختلالات الجاهلية المعاصرة ومنهج الإسلام في تقويمها فصل"توقعات المستقبل"من كتاب"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر".
(2) سورة البقرة: 256.
(3) تفسير ابن جرير الطبري 3/ 19 (ط3 سنة 1968م) مكتبة البابي الحلبي بمصر.
(4) سورة الأنعام: 162 - 163.