الصفحة 30 من 142

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [1] .

أي ادخلوا في الدين بكافة أنفسكم، وبكافة نفس كل واحد منكم .. فإن أي جزئية منكم لا تدخل في الدين إنما هي صيد يتصيده الشيطان .. وهو لكم عدو مبين!

وعلى الرغم من بساطة هذه الحقيقة، وكونها أشبه بالبديهيات، فقد صارت عند كثير من الناس أمرًا مستغربًا يحتاج إلى كثير من البيان والشرح، سواء بسبب الغربة الثانية للإسلام، أو بسبب المفهوم المحرف للدين، الذي جاء مع الغزو الفكري، وخلاصته أن الدين علاقة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا علاقة لها بواقع الحياة!

لذلك فإن أقصى ما يتصوره كثير من الناس من أمر الدين أنه اعتقاد بأن الله واحد، وتوجه بالشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصيام وحج لله .. هذا إن لم يقولوا مع المرجئة إن الإيمان هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلًا في مسمى الإيمان!

لقد كانت تنحية شريعة الله عن الحكم بفعل الغزو الصليبي لبلاد المسلمين، وتحويل ذلك -بالقوة العسكرية- إلى"أمر واقع"في حياة الأجيال المتأخرة من المسلمين، مع الضخ الدائم للأفكار والتصورات العلمانية عن الكون والحياة والإنسان، سببًا في تخريج أجيال من المسلمين لا تتصور أن التشريع بغير ما أنزل الله ينقض لا إله إلا الله! وأن اتخاذ العلمانية منهجًا في السياسة أو الاقتصاد أو علاقات المجتمع أو علاقات الجنسين أو الفكر أو العلم أو الفن .. إلخ ينقض لا إله إلا الله! أو أن"الحداثة"التي تنادي بالتخلي عن كل قديم، والتمرد عليه، وتدميره على أساس أنه أغلال تغل"انطلاقة الإنسان"تنقض لا إله إلا الله! أو أن التسليم"بخرافات"العلم الحديث التي تقول إن المادة أزلية أبدية، أو إن"الطبيعة"تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق، أو إن الإنسان سيخلق الحياة سنة 2000 أو سنة 2010 (!) ينقض لا إله إلا الله!

وصارت لا إله إلا الله -على بساطتها وبداهتها- أمرًا لا يستوعبه كثير من الناس إلا بالجهد الجهيد، بل صار قوم من الناس يجادلون في شأنها كما كان قوم شعيب يجادلونه:

(أَصَلاَتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء) [2] .

وقد يكون المكتوب في شرك الاعتقاد وشرك العبادة وافيًا، وإن كانت لغته في كثير من الأحيان صعبة بالنسبة للقارئ المعاصر غير المتمرس، لأن كثيرًا منه كان قد كتب ردًا على الفرق الزائغة، فاصطبغ بالصبغة الفلسفية الكلامية، وفقد البساطة والوضوح اللذين عرض بهما الأمر في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلزم تحريره من القضايا الفلسفية والكلامية، ورده إلى مقررات الكتاب والسنة الواضحة المباشرة، التي تخاطب العقل والوجدان معًا، وتحرك الإنسان إلى المقتضى الوجداني والسلوكي المترتب على الإيمان [3] .

أما شرك الاتباع فهو في حاجة إلى مزيد من البيان للمسلم المعاصر، حتى يوقن أن التشريع بغير ما أنزل الله شرك، وأن الرضى بشرع غير شرع الله شرك، وأن الأمر لو أجمع عليه العالم"المتحضر!"كله، فإن ذلك لا يعطيه شرعية إذا كان مناقضًا لمقررات الكتاب والسنة، كإجماع العالم كله اليوم على سفور المرأة، وإجماعه على حرية الإلحاد والارتداد عن الدين، وإجماعه على الحكم بغير ما أنزل الله!

ما الصورة التي نريد أن يأخذها دارس التاريخ الإسلامي عن الإسلام وهو مقبل على دراسة التاريخ؟

إنها بطبيعة الحال صورة مجملة تشتمل على الخطوط العريضة فحسب، على اعتبار أن التفاصيل يتكفل ببعضها درس الدين، أو درس الثقافة الإسلامية، وبعضها الآخر تتكفل به دراسة التاريخ الإسلامي ذاتها، وخاصة فترة البعثة وصدر الإسلام.

وهذه بعض الخطوط العريضة اللازمة لهذه الدراسة:

(1) أن الإسلام دين الأنبياء جميعًا من لدن آدم ونوح إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- كلهم جاءوا بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وكلهم دعوا إلى إخلاص العبادة لله، ونبذ الشرك، ونبذ الآلهة المدعاة في أي صورة من الصور: بشرًا كانوا أم أصنامًا، أم كائنات أخرى مما خلق الله في الكون.

(1) سورة البقرة: 208.

(2) سورة هود: 87.

(3) انظر نموذجًا للكتابة المنشودة كتاب"مقومات التصور الإسلامي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت