وأنه دين الفطرة:
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) [1] .
فالفطرة السليمة تتجه إليه تلقائيًا ما لم تحرفها انحرافات البيئة. وأن الأصل في البشرية الإيمان، والكفر هو الطارئ عليها كما أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا كما يقول علم الاجتماع الجاهلي، ولا علم تاريخ الأديان الجاهلي، ولا علم مقارنة الأديان الجاهلي. وأن هذه العقيدة لم تتطور كما تزعم تلك"العلوم"الجاهلية، إنما الذي تطور هو الشرك، لأنه صناعة بشرية، ومن ثم يتأثر بأحوال البشر، ومدى ما لديهم من علم، ومدى احتكاكهم بالكون المادي وبالبيئة من حولهم، فيكون مرة عبادة للأب، أو عبادة للطوطم، أو عبادة لقوى الطبيعة، أو عبادة للأفلاك، أو عبادة للأصنام أو عبادة للبشر، أو عبادة لغير شيء، أي عبادة للهوى والشهوات والخرافة (كما هو حادث في الجاهلية المعاصرة) ولكن هذا كله هو الخط المنحرف عن الدين، وليس خط الدين! إنما خط الدين -الذي هو خط الإسلام- هو الذي كان عليه آدم، وعشرة أجيال من بعده [2] ، وكان عليه نوح، وهود وصالح وشعيب، وإبراهيم، وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا، كما كانت عليه الأقوام والأمم التي آمنت بهؤلاء الرسل على مدار التاريخ.
وأن فطرة الكون كله عابدة لله، تسجد له وتسبح بحمده .. والإنسان المؤمن تلتقي فطرته مع فطرة الكون كله، ولا يشذ عن هذا الإسلام -دين الخليقة كلها- إلا من كفر من البشر والجن.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ .. ) [3] .
(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [4] .
(وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [5] .
(2) أن التوحيد -الذي هو جوهر الإسلام- معناه نفي كل الآلهة الزائفة التي تتحكم في الإنسان. ومن ثم تحرير الإنسان من العبوديات الزائفة كلها، وإطلاق روحه تعمل بكل طاقتها، طليقة من كل قيد زائف، متقيدة في الوقت ذاته بمنهج الله وأوامره، التي يتحقق بها خير الدنيا وسعادة الآخرة.
وأن الإسلام بهذا هو أكبر حركة تحريرية في تاريخ البشرية .. فكل"ثورة"تحريرية في التاريخ -بصرف النظر عما وقع فيها أو نتيجة لها من انحرافات- كانت تستهدف جزئية واحدة من نفس الإنسان أو حياته الواقعية، تركز عليها تركيزًا شديدًا وتهمل بقية الكيان، وتقصر عن إدراك نتيجة التركيز الزائد عن الحد على جزئية معينة، وعدم التركيز المتكافئ على الكيان كله، فتكون النتيجة دائمًا بقاء العبودية لغير الله، وبقاء الخلل في حياة الإنسان، وبقاء الفساد في الأرض!
والإسلام وحده -المنزل من عند اللطيف الخبير، الذي يعلم من خلق، ويعلم ما يُصلحه وما يصلح له- هو الذي يحرر الإنسان من العبوديات الزائفة كلها جملة واحدة، بتوجيه العبادة لله وحده دون شريك، والاستمداد من منهج الله وحده دون سواه.
أما العبودية لله، ففضلًا عن كونها هي العبودية الحقة لأنها موجهة للإله الحقيقي الذي لا إله غيره، الخالق الرازق المهيمن المدبر، المحيي، المميت، مالك الحياة الدنيا ومالك يوم الدين .. فهي العبودية التي تكرّم الإنسان، لأنها موجهة للإله المكْرِم الذي قال سبحانه:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [6] .
(1) سورة الأعراف: 172.
(2) عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال:"كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين"رواه ابن جرير والحاكم.
(3) سورة الحج: 18.
(4) سورة الإسراء: 44.
(5) سورة الأعراف: 179.
(6) سورة الإسراء: 70.