الصفحة 32 من 142

بينما الآلهة الزائفة لا تمنح الإنسان كرامته اللائقة به، إنما تستعبده بشهواته فتحيله حيوانًا أضل من الحيوان، أو تستعبده بجبروتها، والضغوط الواقعة منها عليه، سياسية كانت هذه الضغوط أو اقتصادية أو اجتماعية أو فكرية، فسيذل، ويفقد من كرامته بقدر خضوعه للطاغوت، وينقلب الناس إلى سادة وعبيد، والسادة والعبيد جميعهم في غير الوضع اللائق بالإنسان!

وحين يؤمن الإنسان بالله الإيمان الحق يستعلي على تلك الطواغيت، فلا يعود لها في حسه وزن، وإن آذته، وإن عذبته، وإن حرمته من ضروراته .. وإن قتلته .. فيتحمل إيذاءها مستعليًا عليها، أو يموت مستعليًا عليها كما مات سحرة فرعون وهم يقولون له: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [1] فأيهما أعظم؟ وأيهما أثقل في الميزان الحقيقي: فرعون الذي استعبدته شهوة السلطان فأفقدته صوابه، أم السحرة الذين آمنوا فتحدوا سلطان الطاغية، وجابهوه بأنه لا سلطان له على أرواحهم وإن قتلهم ونكل بهم؟ وأيهما كان أكثر طمأنينة في الساعة الحاسمة: النفوس التي صعدت إلى ربها راضية مرضية، أم النفوس التي زلزلها وهزها عجزها عن فرض سلطانها على المؤمنين المستعلين بالإيمان؟

والطاغية يموت، والشهداء يموتون .. ولكن الطاغية يموت والأحقاد تغلي في صدره حتى يلفظ أنفاسه، والشهداء يموتون بقلوب راضية مطمئنة .. ثم يطوي التاريخ سيرة الطغاة إلا من اللعنة التي تحل بهم كلما ذكروا، ويبقى الشهداء أحياء .. أحياء عند ربهم، وأحياء في ذاكرة التاريخ ..

أيهما أعظم؟ وأيهما أثقل في الميزان الحقيقي؟

وأي حركة في التاريخ حررت"الإنسان"التحرير الحقيقي، فوضعته في المكان اللائق به، مكان الكرامة والعزة، كتلك الحركة التي تزيل الطواغيت جميعًا من حسه، فلا يعود يقيم لها وزنًا، ويستعلي بإيمانه عليها، حتى طاغوت شهواته الذي يحركه من داخل نفسه، ويجعله مطية للشيطان ..

إنه التوحيد .. إنه المنهج الرباني .. الذي يحرر الناس من داخل أنفسهم فيصبحون قوى كونية فاعلة في واقع الحياة، بانية معمرة، تصنع ما يشبه المعجزات!

(3) أن التوحيد -على هذا النحو- ذو أثر بالغ في بنية النفس الداخلية وفي سلوكها الواقعي كذلك، من جهة تجميعه لطاقات الإنسان وتوحيد اتجاهها:

(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا) [2] .

إن توحيد المتجه إلى الله بقطع الطريق على الشركاء المتشاكسين، الذين يبثون القلق والحيرة والضياع في نفوس الناس في الجاهلية، فتكثر الأمراض النفسية والعصبية، ويدمن الناس الخمر والمخدرات، حين يفقدون طمأنينة قلوبهم، ويحاولون الفرار من حيرتهم التي تلاحقهم في صحوهم ومنامهم، بينما القلوب المؤمنة مطمئنة بذكر الله:

(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [3] .

وحين يتوحد المتجه إلى الله تتوحد في الوقت ذاته أشياء كثيرة في كيان الإنسان وحياته: يتوحد المادي والمعنوي، ويتوحد العمل والعبادة. ويتوحد الجسد والروح. وتتوحد الدنيا والآخرة!

إن المنهج الرباني المحكم لا يفرق بين مطالب الجسد ومطالب الروح، فيجعل واحدة منها تعمل على حساب الأخرى أو مناقضة للأخرى! كلا!

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [4] .

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [5] .

"ألا إني أعبدكم لله، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني!" [6] .

(1) سورة طه: 72.

(2) سورة الزمر: 29.

(3) سورة الرعد: 28.

(4) سورة القصص: 77.

(5) سورة الأعراف: 32.

(6) أخرجه الشيخان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت