الصفحة 33 من 142

لا انفصال بين الدنيا والآخرة. ومن ثم لا انفصال بين العمل للدنيا والعمل للآخرة، أي بين العمل في مصطلح الناس وبين العبادة.

(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ .. ) [1] .

ولا انفصال بين الجسد والروح ..

إن الإنسان قد يجنح أحيانًا بجسده، وأحيانًا بروحه، ولكنه لا يتجزأ في أي حالة، ولا تنفصل فيه قبضة الطين عن نفخة الروح.

والجاهليات دائمًا تركز على أحد الجانبين حتى تُزْهِق الآخر. تركز على جانب الجسد حتى تزهق الروح كما فعلت الجاهلية الرومانية من قبل، وكما تفعل وريثتها المعاصرة في الغرب. أو ترتكز على جانب الروح حتى تسحق الجسد، كما فعلت البوذية والهندوكية ورهبانية الكنيسة .. والإسلام هو الذي يعقد الرباط بين الجسد والروح، ويوازن بينهما في الوقت ذاته، فيكون من هذا الجانب أيضًا دين الفطرة ..

الصلاة حركة بالجسد وإخبات بالروح. والصيام أحاسيس جسدية تتمثل في الجوع والعطش، وتقوى تعمر القلب. والزكاة مال يؤدي وصلة قلبية مع الله سبحانه وتعالى وشعور بالأخوة مع المؤمنين الذين يؤدى إليهم المال. والحج انطلاقة روحية هائلة وجهد بدني غير قليل ..

وفي المنهج الرباني لا ينفصل كذلك إيمان الإنسان بعالم الغيب وإيمانه بعالم الشهود .. معرفته بالله ومعرفته بالكون المادي .. الدين والعلم .. كلاهما منبع للمعرفة وكلاهما مطلوب، بلا تعارض ولا تصادم ولا فصام.

(4) وأن الإيمان باليوم الآخر، وهو ركن رئيسي من أركان الإيمان، يؤدي مهمة ضخمة في حياة المسلم، ولهذا يركز عليه الإسلام تركيزًا شديدًا، ويقرنه بالإيمان بالله، فيوصف المؤمنون بأنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر، ويوصف الكفار والمنافقون بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.

إن الإيمان باليوم الآخر هو المعين الأكبر للإنسان على"ضبط"شهواته -ولا يلجأ الإسلام إلى"الكبت"- فيتقبل المسلم ما فرضه الله من قيود على شهواته راضيًا بالقيد غير شاعر بالحرمان، لأنه مطمئن إلى أن كل متاع زائد عن الحد يتركه الإنسان في الدنيا طاعة لله سيعوض عنه في الآخرة أضعافًا مضاعفة في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .. وذلك فوق الإيمان بأن كل ما أمر الله به فهو خير، وكل ما نهى عنه فلا خير فيه وإن زينته الشهوة للإنسان.

وفوق ذلك فإن الإيمان باليوم الآخر هو الباعث الأكبر على الجهاد في سبيل الله، وعلى التطوع بأعمال الخير .. وكلاهما أمر عميق الغور في بنية المجتمع المسلم. فهذا الدين -كما سوف نرى- لا يقوم في الأرض بغير جهاد دائم لا يفتر. والجهاد -بجميع أنواعه- يعرض الإنسان لأن يمتنع -أو يُمْنَع- حتى من الحلال المباح. والإيمان باليوم الآخر، وما فيه من عوض عن متاع الدنيا، يجعل المؤمن الحق يستسهل -بل يستعذب- أن يترك هذا المتاع تقربًا إلى الله، وحبًا في مرضاته، وطمعًا في جنته. كما أن هذا الدين فرض على الناس الحد الأدنى من التكاليف التي يعلم الله أن المجتمع لا يستقيم أمره بدونها، ولكنه حبب للناس التطوع بما وراء الحد الأدنى ليرتقي المجتمع من مستوى الضرورة إلى مستوى الإحسان تطوعًا لا قهرًا، وتقربًا إلى الله:

".. قال: وما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" [2] .

ولا شيء يحض على التطوع بما وراء التكليف أكثر من ذلك الإيمان العميق بأن الحسنة بعشر أمثالها، وأن ما يبذله الإنسان من جهد زائد على التكليف سيعوض عنه في اليوم الآخر بمتاع أعلى، وأشهى، وأشف:

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) [3] .

(5) أن هذا الدين بدأ بقوله تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم-"اقرأ". ودعا إلى التفكر والنظر في ملكوت الله، وإلى تدبر السنن الربانية التي يجري بها الله قدره في الكون المادي وفي حياة البشر سواء، ولفت نظر الإنسان إلى ثبات هذه السنن وعدم قابليتها للتحول ولا التبدل مع أهواء البشر ..

(1) سورة الأنعام: 162 - 163.

(2) من حديث هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم، رواه مسلم.

(3) سورة آل عمران: 14 - 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت