وهذه التوجيهات كلها من شأنها أن تحفز الإنسان إلى التفكير"العلمي"المنظم في المجالين اللذين تعمل فيهما السنن الربانية، وهما الكون المادي والحياة البشرية. وأنها بالفعل قد أدت إلى حركة علمية هائلة قام بها المسلمون وقت تمسكهم الصحيح بالإسلام، كان أبرز ما فيها أنها منطلقة من التوجيهات الربانية ومنضبطة بضوابطها، وتمثلت فيها خاصية هذا الدين وهي توحيد طريق الدنيا والآخرة، والجمع بين الإيمان بالغيب والإيمان بالمحسوس بلا تناقض ولا انفصام.
ثم إن توجيهات القرآن إلى المشي في مناكب الأرض والأكل من رزق الله، وعمارة الأرض، والإفادة مما سخر الله للإنسان من طاقات السموات والأرض، من شأنها أن تحفز الإنسان إلى بذل نشاطه الحيوي في ترقية الحياة وتحسينها وتجميلها [1] فضلًا عن السياحة في الأرض وكشف مجاهيلها. وأنها بالفعل قد أدت إلى حركة حضارية هائلة قام بها المسلمون وقت أن كانوا محتفظين بحيويتهم قبل أن تقعد بهم الأمراض التي حلت بهم فيما بعد، وكان أبرز ما فيها -كالحركة العلمية الإسلامية- أنها منطلقة من التوجيهات الربانية ومنضبطة بضوابطها، وأنها وحدت طريق الدنيا والآخرة وجمعت بين الإيمان بالغيب والإيمان بالمحسوس.
(6) أن الإسلام يعطي إجابات محددة على أسئلة الفطرة التي تلح عليها وتطلب الجواب: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ وكيف؟ .. المنشأ والمصير، والغاية، والمنهج ..
فأما المنشأ والمصير، فمن الله وإليه:
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [2] .
وأما الغاية:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [3] .
(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [4] .
(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [5] .
(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [6] .
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [7] .
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [8] .
وأما المنهج الذي يحقق الغاية فهو اتباع ما أنزل الله:
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَروا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [9] .
(1) في القرآن إشارة واضحة إلى"الجمال": (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) [سورة النحل: 6] .
(2) سورة البقرة: 28.
(3) سورة الذاريات: 56.
(4) سورة الإنسان: 2.
(5) سورة الكهف: 7.
(6) سورة هود: 61.
(7) سورة البقرة: 30.
(8) سورة الملك: 15.
(9) سورة البقرة: 38 - 39.