إجابات واضحة محددة لا لبس فيها ولا غموض، لا تدع مجالًا للحيرة ولا الضرب في متاهات الظنون، تلك الحيرة التي تشتت أفكار الناس في الجاهلية ومشاعرهم، حين لا يجدون الإجابة الشافية من مصدر يثقون بصدقه ويثقون بحكمته، وكذلك حين يفصلون الحياة الدنيا عن تكملتها الطبيعية في الآخرة فتبدو لهم عبثًا لا معنى له ولا حكمة فيه:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [1] .
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) [2] .
وحين يعطي الإسلام تلك الإجابات المحددة الواضحة ويعمقها في شعور الإنسان فإنها تنعكس على وجدانه طمأنينة لا يعرفها إلا المؤمن، وتنعكس على سلوكه ثباتًا وصمودًا في خضم الحياة المضطرب، الذي تتزلزل فيه أقدام الجاهليين:
(إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ .. ) [3] .
(7) أن الله كلف الأمة المسلمة أن تنشر الدعوة في أرجاء الأرض، وكان لهذا التكليف حكمة معينة في تقدير الله، وكانت له كذلك مقتضيات.
فأما الحكمة فهي كون الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، وأنه أرسل إلى البشرية كافة وإلى آخر الزمان، وأرسل بالرسالة الخاتمة التي اكتمل بها الدين السماوي، والتي تحكم حياة الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأن أمته تحمل رسالته من بعده بخصوصيتيها هاتين: أنها للبشر كافة، وللزمن المقبل كله.
وأما ما ترتب على ذلك فهو فرض الجهاد على هذه الأمة لتوصيل الدعوة إلى آفاق الأرض ..
ولم يكن الجهاد من أجل فرض العقيدة على الناس:
(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [4] .
(أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [5] .
إنما كان الجهاد من أجل أمر آخر، هو إزالة العقبات التي تحول بين الناس وبين الاستماع إلى الحق كما هو على حقيقته، متمثلة تلك العقبات في نظم جاهلية تحميها جيوش جاهلية وحكومات جاهلية. فإذا أزيلت هذه العقبات فالناس أحرار يختارون لأنفسهم ما يقتنعون به بغير إكراه.
ولأنه جرى تشويه متعمد لحقيقة الجهاد من قبل أعداء هذا الدين، فلا بد من شرح هذه القضية، وما يترتب عليها.
إن الحق لا يصل للناس مجردًا بمجرد أن تلقي به إليهم في بيان أو كتاب أو درس أو محاضرة أو إعلان .. فإنما تنكسر الأفكار كما ينكسر الضوء حين يخرج من وسط ذي كثافة معينة إلى وسط آخر ذي كثافة مختلفة، فلا يصل شعاع الحق مستقيمًا إلى الناس حين يكونون محوطين بغلاف معين من الأفكار والنظم، التي تحميها قوة ذات ثقل. فأما إذا زالت القوة التي تحمي تلك الأفكار والنظم، فالناس أحرى يومئذ أن يروا ما في واقعهم من زيف، وما في الدعوة التي يدعون إليها من حق. فإن دخلوا في الحق فبها ونعمت، وإن اختاروا الباطل وأصروا عليه فلهم ذلك .. على مسئوليتهم!
تلك هي حقيقة الجهاد في الإسلام ..
(1) سورة المؤمنون: 115.
(2) سورة ص: 27.
(3) سورة المعارج: 19 - 26.
(4) سورة البقرة: 256.
(5) سورة يونس: 99.