الصفحة 36 من 142

ولبيانها نضرب مثالين من الواقع البشري الحديث، يبين كل منهما كيف ترتبط الفكرة في حس الناس بالقوة التي تحيط بها وتحميها، لا بحقيقة هذه الفكرة في ذاتها!

المثال الأول هو سعي أوروبا الصليبية على مدى قرنين من الزمان أو أكثر لإزالة الدولة العثمانية، في أثناء محاولتها للقضاء على الإسلام. والمثال الآخر هو موقف الفكر الشيوعي -أو العقيدة الشيوعية- حين تخلت عنها روسيا!

فبالنسبة للقضية الأولى: لماذا لم تكتف أوروبا"بالدعوة"ضد الإسلام بالوسائل السلمية من صحافة وإذاعة وكتب ومحاضرات وندوات ووسائل"علمية"؟! لقد قامت أوروبا بذلك كله، ولكنها كانت تعلم أن هذا كله جهد ضائع طالما كان للإسلام دولة تحميه، دولة قوية ذات جيوش مرهوبة. فعملت على تحطيم الدولة والقضاء على جيوشها، ليسهل عليها بعد ذلك ما تهدف إليه من القضاء على الإسلام [1] .

وبالنسبة للقضية الثانية: كم كتب من بحوث تبين فساد الشيوعية؟ وكم بذلت من جهود"فكرية"لإقناع الشباب ببطلان الفكر الشيوعي كله ومصادمته للفطرة؟ وكم كانت نسبة الاستجابة"للدعوة"ضد الشيوعية في أرجاء الأرض؟! ثم .. ماذا حدث للفكر الشيوعي -فجأة- حين تخلت عنه الدولة بقوتها؟! لكأنما قد انهار في لحظات! ولم يعد ذلك الشباب في أرجاء الأرض يحتاج إلى كلمة واحدة تحدثه عن بطلان الشيوعية!! فقد اقتنع من تلقاء نفسه بمجرد انهيار الحاجز الذي كان يكسر شعاع الضوء، ويمنعه من الوصول إلى وجدانهم على حقيقته!

تلك حقيقة ينساها الذين تخدعهم"الديمقراطية"و"حرية الدعوة"فيحسبون أن الجهاد كانت له"ظروف تاريخية"لم تعد تتكرر، وأن"وسائل الإعلام"قد أغنت عنه في العصر الحاضر! كذلك ينساها -أو يتناساها- الذين أُحرجت صدورهم من إلحاح الأعداء في القول بأن الإسلام قد انتشر بالسيف، فيحبون أن يلقوا بهذا الموضوع كله في سلة"الظروف التاريخية"التي لم تعد تتكرر، ليستريحوا من الحرج في داخل صدورهم، ويحسبون بذلك أنهم"يدافعون"عن الإسلام!!

إنما سقنا ذلك كله لنقول إن"الجهاد"جزء من ملامح الصورة التي يحتاج إليها دارس التاريخ الإسلامي ليتفهم ذلك التاريخ ..

لقد دعيت هذه الأمة لتقوم بتحرير"الإنسان"كله على وجه الأرض من العبودية للآلهة الزائفة التي تهبط بكرامة الإنسان، وتغله عن الانطلاق .. ولا يتم هذا التحرير إلا بإزالة تلك الآلهة الزائفة من ضمائر الناس، وذلك بتحطيم القوى التي تسندها وتثبتها في النفوس. فإذا تم ذلك ترك الناس أحرارًا ليختاروا الحق أو يختاروا الباطل، ويتحملوا مسئوليتهم عن أنفسهم وأهلهم وذويهم حين يختارون الباطل ويصرون عليه .. ولكنهم في الوقت ذاته لا يصبحون"فتنة"للمسلمين بعد زوال قوتهم. وهذا هدف رئيسي من وراء الجهاد:

(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) [2] .

ويصبح الجهاد مشغلة دائمة من مشاغل هذه الأمة .. يملأ حياتها فلا يصيبها الفراغ الذي يقتل الأمم حين يترف أغنياؤها ويخلد سائرها إلى هموم الأرض القريبة، وتخلو حياتهم من الأهداف العليا والقيم الفاضلة والمشغلة الجادة. ويلتقي خط الجهاد بخط الإيمان باليوم الآخر، فيكونان معًا خطًا بارزًا في ملامح الصورة ..

تلك الموضوعات -كما يرى القارئ- ليست كلها مما تُوَجَّه العناية إليه في درس الدين، مع ضرورتها لدارس التاريخ الإسلامي، فوجب إذن أن يتولى درس التاريخ تجليتها والحديث عنها، حتى لو شاركه درس الدين في بعض نقاطها. إنما الهدف الأساسي من دراستها بالنسبة لدارس التاريخ أن يتبين جيدًا أن سمات هذه الأمة في عصور قوتها وحيويتها هي ذاتها سمات هذا الدين. وأن الأمة في الحقيقة قد انبثقت من هذا الدين، وليس من أي عنصر آخر: لا الأرض ولا القوم ولا الجنس ولا أي مقوّم من تلك المقومات التي يعزي إليها قيام الأمم في الجاهلية. كما يتبين جيدًا أن فترات الضعف والشتات والتخلف إنما تأتي من انسلاخ الأمة -كثيرًا أو قليلًا- عن هذا الدين، فتغيب ملامحه المميزة، التي تطبع الأمة بطابعها وتعطيها قوتها وحيويتها، وتبرز ملامح أخرى كامنة في البيئة، أو راجعة إلى أي عنصر من العناصر المثبطة التي تقع في طريق الأمة في أثناء مسيرتها وهي بعيدة عن المناعة التي يعطيها إياها هذا الدين ..

(1) لا شك أن القضاء على الدولة العثمانية قد أثر كثيرًا على وضع الإسلام في نفوس المسلمين أنفسهم، وسهّل كثيرًا عملية التغريب ونشر العلمانية والمذاهب الهدامة، لولا أن الله قد تكفل بحفظ دينه وإظهاره فكفل له صحوة تسعى إلى إعادة القوة إليه وتجاهد في سبيل ذلك.

(2) سورة الأنفال: 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت