الصفحة 37 من 142

كما أن من أهداف هذه الدراسة لملامح الإسلام أن يتبين الدارس أن الدين الذي هذه ملامحه، لا يُسْتَنفد أبدًا، ولا تنتهي مهمته في الأرض، ولا يجيء يوم تسبقه البشرية وتستغني عنه.

إنما يمكن أن يحدث أمران في التاريخ: أن يتخلف المسلمون عن الإسلام، كما تخلفوا بالفعل في عصرهم الحاضر، فيصيبهم من جراء ذلك تخلف علمي ومادي وسياسي وحربي واقتصادي واجتماعي وفكري وأخلاقي .. إلخ فلا يكون الإسلام هو الذي تخلف، ولا يكون الإسلام هو سبب التخلف. إنما يكون الوضع على وجه التحديد أن حَمَلَة الإسلام قد تخلوا عنه -كثيرًا أو قليلًا- فلم يعد مطبقًا على حقيقته في الأرض، ويظل الإسلام قائمًا بذاته كما أنزله الله، رسالة للبشرية كافة حتى آخر الزمان، تدعوهم إلى إصلاح ما في أنفسهم من انحراف وما في حياتهم من فساد، ويظل المسلمون أولى الناس بإجابة الدعوة باعتبارهم أصحابها الأصلاء الذين حملوها ردحًا من الزمن غير قليل .. وتكون الصحوة الإسلامية بذلك هي الاستجابة الطبيعية لتلك الدعوة، من أحق الناس بالاستجابة وأولاهم بالمسارعة إليها.

الأمر الثاني الذي يمكن أن يحدث هو أن تتقدم البشرية في العلوم والتكنولوجيا والعمارة المادية للأرض -وهي في جاهليتها- كما هو حادث في الجاهلية المعاصرة بشكل بارز، ولكن هذا لا يغير القضية بالنسبة للإسلام.

فالإسلام أولًا لا يقف في وجه العلم والتكنولوجيا والعمارة المادية للأرض، حتى يقال إن العلم قد انتصر على الإسلام! والإسلام كذلك لا يمثل مرحلة معينة من العلم والتكنولوجيا والعمارة المادية للأرض، حتى يقال إن العلم قد سبق الإسلام!

إنما جاء الإسلام لينفي الآلهة الزائفة كلها، ويلغي عبودية الناس لها، ويبين أنه لا إله إلا الله، ويدعو الناس لإخلاص عبادتهم لله وحده دون شريك .. وتلك قضية القضايا في حياة الناس، على أساسها تستقيم حياتهم في الدنيا والآخرة إذا استجابوا لداعي الإسلام، أو تفسد حياتهم وتشقى آخرتهم إذا أعرضوا!

ومن ثم تظل قضية الإسلام قائمة كما أنزلت قبل أربعة عشر قرنًا، على الرغم من كل التقدم العلمي والتكنولوجي والعمارة المادية للأرض، التي هي السمة البارزة للجاهلية المعاصرة، ولا يكون الإسلام قد سُبِق أو استنفد أغراضه! بل الحقيقة أنه ما من جاهلية من جاهليات التاريخ كان الإسلام لازمًا لها كهذه الجاهلية بالذات، التي عتت أكثر من أي جاهلية سبقت في التاريخ، مستندة إلى قوتها وعلمها [1] ، وتبجحت بالكفر حتى نفت وجود الله جهرة، فمرة قالت: الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق، ومرة قالت: لا إله، والكون مادة! فهذه الجاهلية بالذات أحوج إلى هذا الإسلام، تصلح به ما فسد من أمرها، إن كانت تريد أن تتجنب الدمار ..

وهكذا تصبح دراسة ملامح الإسلام أمرًا لازمًا من أجل الرؤية الصحيحة للتاريخ، سواء في ذلك تاريخ الأمة الإسلامية أو تاريخ البشرية في عصرها الحاضر.

وليس من الضرورة بطبيعة الحال أن تركز هذه الدراسة في درس واحد ولا كتاب واحد، إنما هي زاد مستمر يُستمد منه كلما دعت المناسبة واحتاج الأمر إلى التعرف على ملامح الإسلام. ودراسة عصر البعثة وصدر الإسلام هي أنسب المناسبات لعرض ملامح الإسلام.

(1) ليست هذه أول جاهلية تاريخية تستند في كفرها إلى علمها وقوتها فقد حكى الله عن جاهلية عاد أنهم قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [سورة فصلت: 15] . وحكى عن غيرهم أنهم"فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون" [سورة غافر: 83] ولكن الجاهلية المعاصرة أعتى من كل جاهليات التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت