ولقد مرت عليّ فترة من حياتي -وخاصة في أثناء الدراسة الجامعية وما بعدها- كنت فيها شغوفًا بالقراءة في شتى فروع المعرفة، لا يكاد يمر علي يوم دون أن أكون قد قرأت كتاباَ صغيرًا أو قسمًا من كتاب كبير. وكان من بين فروع المعرفة التي أتناولها بالقراءة التاريخ عامة، والتاريخ الإسلامي بصفة خاصة. ثم إني عملت بعد تخرجي مباشرة أربع سنوات في التعليم في المرحلتين الابتدائية والإعدادية قبل أن أنتقل إلى أعمال في مجالات أخرى وعلى الرغم من أن تخصصي كان في اللغة الانجليزية فقد كانوا يلزموننا في المدارس الابتدائية والإعدادية بتدريس مادة التاريخ كذلك، فدرست للطلاب مادة التاريخ الإسلامي أربع سنوات.
وقد لاحظت في أثناء قراءتي، وفي التدريس كذلك، أن التاريخ الإسلامي لا يقدم بمنهج صحيح، سواء لطلاب العلم أو للقارئ العام. وأن معظم ما نقرؤه في الدراسات الحديثة هو ما قدمه المستشرقون، سواء أكان ذلك بطريق مباشر من كتبهم، أم عن طريق تلاميذهم من"المؤرخين"المسلمين، الذين يتلقون كلامهم كأنه القول الفصل الذي لا يحتمل النقاش! وغني عن البيان أن المستشرقين كانو أنشط ما يكونون -في عملهم التخريبي- في مجال التاريخ الإسلامي [1] !
وأحسست منذ تلك الفترة البعيدة أنه لا بد من إعادة كتابة التاريخ الإسلامي على نسق آخر غير ما يقدمه المستشرقون وتلاميذ المستشرقين!
وظل إحساسي بهذه القضية يتزايد مع مرور الأيام، كلما ازددت اطلاعًا على ما يكتبه"المؤرخون"المحدثون في التاريخ الإسلامي، وكذلك كلما برزت إلى الوجود صيحات مشبوهة، تنادي بضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، ولكن من زوايا أخرى، لا تقل تخريبًا عما كتبه المستشرقون من قبل .. فمرة من زاوية القومية العربية، ومن مضحكاتها أن صلاح الدين -الكردي- كان يدافع عن القومية العربية، وبطلًا من أبطالها!! ومرة من زاوية الاشتراكية، ومن مضحكاتها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان قائد ثورة الفقراء ضد الأغنياء! ومرة من زاوية التفسير المادي -أو التفسير الاقتصادي- للتاريخ، ومن مضحكاتها أن الدافع وراء الفتوح الإسلامية كان هو الدافع الاقتصادي، ووراء الحروب الصليبية كذلك، وأن الدين في الحالتين كان ستارًا يستغله المستغلون!!
وكانت كلما مرت مناسبة من هذه المناسبات أزداد اقتناعًا بضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي من منطلق إسلامي، وبروح إسلامية، لا تتأثر بتلك التيارات المنحرفة والصيحات المشبوهة، التي تريد طمس معالم ذلك التاريخ، وطمس مقوماته الخاصة العلمية"أو"الموضوعية"أو"المنهجية"أو ما شابه ذلك من الشعارات!"
وإني لأشعر جيدًا بضخامة هذه المهمة وخطرها، ومدى الجهد اللازم لإنجازها ..
إنها أضخم من أن تكون جهد أفراد متفرقين في جيل من أجيال المسلمين، إنما هي في حاجة إلى جهد جماعي منظم تقوم به مؤسسات متخصصة على مدى قد يمتد بضعة أجيال .. فسجل ما يزيد على أربعة عشر قرنًا من الزمان، حافلة بالأحداث والوقائع والشخصيات، حافلة بالأمجاد الشامخة والبطولات الفذة، كما هي حافلة بالانتكاسات المؤسفة والنكبات المريرة والشخصيات المنحرفة، متداخلة كلها في نسيج واحد .. هذا السجل يضني من يقوم بتمحيصه وإعادة كتابته، ولو احتشدت له الأجيال.
ومع ذلك فلا بد من القيام بهذا العمل الضخم، رغم المشقة البالغة فيه، فإنه ما من أمة تستطيع أن تعيش بلا تاريخ .. تاريخ ممحص محقق، ميسر التناول على جميع المستويات، من الطفل الدارج في أول الطريق، إلى الباحث المتخصص في آخر الطريق ..
وفي هذا الكتيب أدلي بدلوي المتواضع في أمر المنهج الذي ينبغي أن تعاد على أساسه كتابة التاريخ الإسلامي. فإن وفقني الله إلى شيء في هذا المجال فهو فضل من الله عظيم، أتوجه إليه سبحانه بالشكر عليه، وإلا فإني أحتسب عند الله نيتي وأرجو من الله التوفيق.
محمد قطب
(1) تناولت هذه القضية في كتاب"المستشرقون والإسلام"المشار إليه.