الصفحة 3 من 142

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

لم أعد أذكر على وجه التحديد متى كتب هذا الكتاب أول مرة!

كل ما أذكره أنه كان مكتوبًا منذ خمسة عشر عامًا على الأقل إن لم يكن أكثر! [1] وأنه ظل يشار إليه في قائمة كتبي على أنه من"الكتب التالية"ولكن لم يقدر له أن ينشر خلال هذا المدى الطويل، لأنه كان في حاجة إلى مراجعة أخيرة، ولم تتح الفرصة لهذه المراجعة إلا منذ عهد قريب [2] .. (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) [3] .

وحين أعدت قراءته بعد كل هذه السنوات وجدت أن معظم الأفكار الرئيسية في الكتاب لم يتغير موقفي منها، ولكن طريقة التناول قد تغيرت في بعض المواضع فاقتضت إضافة جديدة، أو تركيزًا على بعض الجوانب التي لم تكن قد أبرزت بدرجة كافية في الكتاب الأولى. لذلك آثرت في بعض الفصول أن أعيد كتابتها من جديد، بدلًا من إحداث تعديلات جزئية هنا أو هناك.

كما أني -في خلال السنوات التي مرت بين الكتابة الأولى والكتابة الثانية -كنت قد أصدرت كتابين على الأقل ذَوَيْ صلة مباشرة بموضوع الكتاب، هما"واقعنا المعاصر"و"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر"ففي كلا الكتابين حديث عن فترات من التاريخ الإسلامي قديمه أو حديثه .. فرأيت أن أشير إليهما في هوامش الكتاب حيث يحتاج الأمر إلى الإشارة.

وفي العموم أستطيع أن أقول إن الكتاب يحوي الصورة الأخيرة لتفكيري في موضوع كتابة التاريخ الإسلامي.

كنت قد قلت في مقدمة الكتاب حين كتبته أول مرة هذه الكلمات:

"لست مؤرخًا .. ولا أستطيع أن أكون!"

"فليست لي موهبة المؤرخ، ولا صبره، ولا قدرته على تمحيص الروايات والوقائع لاستخلاص الحقيقة التاريخية من بينها. وما يعلق في ذهني من التاريخ إلا أحداثه الكبرى، أو السطور ذات الدلالة الخاصة في صفحته. ويعنيني -أكثر من أي شيء آخر -أحوال"الإنسان""وتحولاته".. من إقبال وإدبار .. من تفتح وانغلاق .. من تطور إلى أعلى وانتكاس إلى أسفل .. والتاريخ في حسي هو الإطار العام المحيط بهذا"الإنسان".. ولكني لا أصبر كثيرًا على التفرس في دقائق السطور في صفحة التاريخ ويكفيني منه التحولات العامة فيه، التي هي في حقيقتها تحولات"الإنسان"..".

هكذا كنت قبل خمسة عشر عامًا .. وما زلت بطبيعة الحال!

ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه!

ولكن هذا لم يمنعني في الماضي، ولا يمنعني الآن، من التحدث في موضوع هذا الكتاب ..

فلست هنا أقدم تاريخًا للإسلام، وليس من هدفي أن أصنع ذلك. إنما أتحدث عن"منهج"لكتابة التاريخ الإسلامي. والمنهج شيء، والتاريخ بأحداثه ووقائعه وشخوصه شيء آخر.

وصحيح أنه لا يمكن الحديث عن المنهج دون الإشارة إلى بعض وقائع التاريخ على الأقل! نعم! ولكن في الحدود العامة، والخطوط العريضة، لأن المنهج يتعلق بدلائل الحدث أكثر مما يتعلق بتفصيلاته.

(1) نحن الآن في أوائل عام 1412هـ (1991م) .

(2) هناك كتاب آخر ينتظر المراجعة الأخيرة هو"المستشرقون والإسلام"كتب أول مرة في رمضان من عام 1384هـ (يناير سنة 1965) وما زال ينتظر الفرصة المناسبة، أرجو الله أن ييسر ظهوره.

(3) سورة الرعد: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت