إسلامهم ومنهجهم الرباني يغنيهم. لذلك تعلموا اليونانية (واللاتينية) لينقلوا العلوم، ولكنهم لم ينقلوا الأساطير اليونانية لأنها أساطير جاهلية بعيدة عن الحقيقة الربانية التي عرفوها. فأما في جولة الأخذ الثانية التي وقعت فيها الأمة في فترة الانحسار فقد نقلوا كل شيء بلا تمييز! وقال"عميد الأدب العربي": من لم يقرأ الأساطير اليونانية فليس أديبًا ولا يستطيع أن يكون أديبًا! وفي ذلك دلالة على مدى الصغار الذي أصاب المسلمين تجاه الغرب!
رابعًا: يجب مراجعة كل الأسماء اللامعة التي لمعت في فترة الانحسار، لإعادة تقويمها بميزان الإسلام. فقد عمل الاستعمار والغزو الفكري على إبراز مجموعة من الأشخاص لا لقيمتهم الذاتية، ولكن بمقدار ما أدوا من خدمات لمخططات الأعداء، سواء أدوا هذه الخدمات عن غفلة فيهم أو عن عمالة واعية. وبالنسبة للأمر الواقع فإن العميل المستغفل يؤدي للعدو نفس الخدمة التي يؤديها العميل المأجور .. ولكن يختلفان في النية المضمرة، أحدهما يظن أنه بعمله يخدم الإسلام والمسلمين، والآخر يعلم مهمته جيدًا ويعلم السيد الذي يستخدمه ويعطيه الأجر. وليس من الضروري أن يكون الأجر ما لا يقبضه في يده فقد يكون زعامة أو شهرة أو تحقيق شهوة من شهوات الأرض الهابطة ..
وحين نراجع الأسماء التي لمعت في تلك الفترة في العالم الإسلامي على اتساعه فسنجد قلة تستحق ما نالته من مكانة وشهرة، وكثير منها صنع صناعة ليؤدي مهمة معينة تخدم أغراض الصليبية الصهيونية، وأن هؤلاء قد التقطهم الاستعمار الصليبي الصهيوني لمزية معينة فيهم قد تكون ذكاء خارقًا، وقد تكون قدرة خطابية فائقة، وقد تكون خبثًا ومكرًا ودناءة طبع، ثم كبّرهم بوسائل الدعاية التي يملكها -والصحافة بصفة خاصة- وصنع حولهم الهالات لتلتف حولهم الجماهير، بعد أن يكون قد صنع لهم فكرهم ورسم لهم طريقهم الذي يخدم أهداف المخططين. منهم ساسة. ومنهم"مفكرون". ومنهم أدباء وشعراء. ومنهم"فنانون"و"فنانات"يلهون الجماهير ويصرفونهم عن جديات الأمور ..
بهذا الميزان نزن رفاعة الطهطاوي. ومحمد عبده. وجمال الدين الأفغاني. وسعد زغلول. وقاسم أمين. ولطفي السيد. وطه حسين. وعشرات غيرهم وعشرات .. فنجد فيهم عاملًا مشتركًا على اختلاف مواقفهم ما بين الغفلة والعمالة المأجورة، أن شخصياتهم ضئيلة. أضأل بكثير مما صُوِّرت لنا بواسطة أجهزة التكبير -أو أجهزة التضليل- وأنهم منهزمون في دخيلة نفوسهم أمام الغرب .. وأنهم لو كانوا بالحجم الذي صورته لنا أجهزة التكبير لوقفوا من عملية التغريب موقفًا آخر، ولكانت وجهتهم هي الإسلام صافيًا بلا غبش، ولا محاولة للتوفيق بين الإسلام و"الحضارة الغربية"، مؤداها الواقعي تثبيت القيم الغربية وليّ عنق الإسلام إليها! أما"الأبطال"العسكريون في حياة الأمة الحديثة، فحدث عن زيف بطولاتهم ولا حرج!
وأخيرًا يجب التركيز على حقيقة ذات أهمية خاصة .. إن علاج ما أصاب الأمة في فترة انتكاسها لا يكون بالتسول على موائد الغرب لاستجلاب النظم والدساتير والأفكار .. إن العلم والتكنولوجيا تُسْتَجْلَب، نعم ولا حرج في ذلك -مع الاحتراز من الروح اللادينية التي يقدّم بها العلم في الغرب، والتي تمارَس بها التكنولوجيا- أما الأفكار والنظم والدساتير فهي من أمور العقيدة وأمور الشريعة وهذه ليس لمؤمن أن يتلقى فيها من عند غير الله:
(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [1] .
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [2] .
إنها قضية خطيرة، ليست قضية"تبادل ثقافي!"كما يزعم المنهزمون أمام الغرب .. إنما هي قضية كفر وإيمان. إما أن نكون مسلمين، فنأخذ شريعتنا ودساتيرنا من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإما أن نكون قد خرجنا من دين الله!
وحين نركز على هذه المعاني نكون قد أخذنا العبرة من فترة الانتكاس، وتكون هذه العبرة زادًا في الطريق.
(1) سورة المائدة: 50.
(2) سورة الأحزاب: 36.