قبل أن ننتهي من الحديث عن هذه الفترة نحب أن نشير إلى النقاط التي يجب التركيز عليها عند إعادة كتابة التاريخ، وإلى الدروس التربوية المستفادة منها، والتي هي الهدف الحقيقي من دراسة التاريخ.
يجب التركيز أولًا على مسئولية المسلمين عن تفريطهم في دين الله، مسئولية يشترك فيها الحكام والعلماء ومجموع الأمة، لا ينجو منها إلا من جاهد بقدر ما آتاه الله من جهد. وأن التفريط هو الذي أدى إلى الضعف والتخلف والانحسار، وليس تنامي القوة الأوربية، وليس"الحتمية التاريخية"القائلة بانتهاء مهمة الدين، واستنفاده أغراضه وكونه أصبح بعد استنفاده دوره التاريخي معوقًا عن الحضارة والتقدم والانطلاق. وأن الإسلام -دين الله الصحيح- لا يستنفد أغراضه أبدًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يتجاوزه الزمن أبدًا، ولا تتجاوزه أي حضارة بشرية أو منهج بشري، إنما حسب البشر -في أعلى حالاتهم - أن يحققوا هذا الدين في واقع حياتهم، فيرتفعوا إلى أقصى ما في طاقة الإنسان من قدرة على الارتفاع.
ويجب التركيز ثانيًا على أن ما أصاب الأمة الإسلامية نتيجة تفريطها في هذا الدين سنة ربانية لا تتخلف ولا تحابي أحدًا. وأن لله في شأن التمكين في الأرض سنتين مختلفتين بالنسبة للكفار وبالنسبة للمؤمنين، وإن اشتركا كلاهما في ضرورة بذل الجهد من أجل الحصول على التمكين ..
أما الاختلاف فيكمن في أن الله يعطي الكفار بقدر ما يبذلون من الجهد، لأنه يعطيهم ثواب الحياة الدنيا ولا يدخر لهم شيئًا في الآخرة:
(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [1] .
أما المسلمون فلا يعطيهم -وإن بذلوا الجهد- إلا حين يستقيمون على أمر الله:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [2] .
ذلك لأنه يدخر لهم ثواب الآخرة، ومن أجل ذلك لا يعطيهم وهم عصاة فيفتتنوا ويلجّوا في العصيان. إنما يحرمهم ما يمكن أن يمد به الكفار من النصر والتمكين حتى يعودوا إليه، فيعطيهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
والمهم في هذا الدرس أن يدرك المسلمون أن محاولتهم اتخاذ الأدوات التي مكّنت لأوربا دون الرجوع إلى الله لن تفيدهم بشيء، وقد جربوا ذلك قرنًا من الزمان أو أكثر من قرن فلم يحصلوا على شيء إلا القشور، وتدهور حالهم من سوء إلى سوء، وغرقوا في التبعية، وصاروا غثاء كغثاء السيل. إنما السبيل أن يرجعوا إلى الله ثم يتخذوا الأسباب، فعندئذ يعيد الله لهم ما ذهب عنهم من التمكين في الأرض، ويشملهم بفضله ورحمته، فينالوه خير الدنيا وخير الآخرة.
ثالثًا: يجب التركيز على أن الهزيمة العسكرية التي أصابت المسلمين أمام الغرب في القرنين الماضيين ليست هي العامل الحاسم فيما أصابهم من الصغار والهوان، والانبهار بما عند الغرب، غثه وثمينه سواء. إنما هي الهزيمة الداخلية الناشئة من الخواء .. خواء العقيدة وخواء الروح من حقيقة الإسلام ..
فحين كان المسلمون ينهزمون عسكريًا أمام أعدائهم وقلوبهم عامرة بالإيمان لم يكونوا ينخذلون بتأثير الهزيمة العسكرية لأن الله قال لهم:"وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" [3] . فكان استعلاؤهم بالإيمان يرد عنهم الخذلان النفسي، ويحفزهم إلى التحرك السريع لرد الهزيمة إلى نصر، ولم يكونوا يشعرون قط أن ما عند أعدائهم خير مما عندهم، لأن عندهم دين الله ومنهجه، وأعداؤهم عندهم دين الجاهلية ومنهجها، وشتان بين الجاهلية والإسلام.
أما في الهزيمة الأخيرة فقد كان هناك دَخَلُ كثير في الإيمان. لذلك أصاب الخذلان النفسي المسلمين، وانبهروا بما عند أعدائهم لأول مرة في حياتهم، وظنوا أن ما عند أعدائهم خير مما عندهم، لا في الأدوات والعلوم فهذا واضح، ولكن في العقائد والأفكار والأخلاق والنظم وأنماط السلوك .. وأن هذا كان الكارثة العظمة التي يسرت للغزو الفكري أن يحول الأمة في قرن أو نصف قرن عن الإسلام ويلوي أعناقها إلى أوربا.
ومن الظواهر ذات الدلالة في هذا الشأن أن المسلمين في الجولة الأولى شعروا أنهم في حاجة إلى بعض الأدوات الحضارية ممن حولهم: من فارس وبيزنطة، فأخذوها بلا تحرج، ولكنهم لم يأخذوا ما حولها من نظم أو عقائد أو أفكار أو أنماط سلوك، لأن ذلك كله كان في حسهم جاهلية، وعندهم
(1) سورة هود: 15 - 16.
(2) سورة النور: 55.
(3) سورة آل عمران: 139.