وهكذا فإن السيطرة العالمية لليهود تظل -بكل ما أحدثته من الشر في الأرض- نتيجة من نتائج غياب الأمة الإسلامية من الساحة، وكان وجود الأمة بقوتها قمينا بأن يحول دون قيام تلك السيطرة أصلًا، أو يحدّ من شرها على أقل تقدير ..
أما انتشار الإلحاد والفساد الخلقي في الأرض فمن الواضح -بعد كلامنا عن اليهود وما أحدثوه من الفساد- أن غياب الأمة الإسلامية كان عنصرًا ساسيًا في وصوله إلى الدرجة التي وصل إليها. ولسنا نقول إن اليهود هم الذين أنشأوا الإلحاد في أوربا، فقد نشأ كرد فعل لطغيان الكنيسة وتحكمها في الناس باسم الدين، ولكن اليهود دون شك نشروه على نطاق واسع لأنه يحقق مخططهم في استحمار الأمميين، وهم أقرب شيء إلى الاستحمار وهم نافرون من الدين:
(أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [1] .
كذلك فإن الفساد الخلقي نشأ تلقائيًا من خروج المرأة من البيت و"تحررها!"ولكن اليهود كان لهم دورهم في نشر ذلك الفساد على نطاق واسع بما وضعوا من مخططات لرفع تكاليف المعيشة وتخفيض القوى الشرائية للعملات بحيث يعجز الشاب بعد تخرجه وبدئه التكسب عن إنشاء أسرة، وفي فترة تعطله عن الزواج يهيء اليهود له كل أدوات الفساد! وكذلك تقع الفتاة التي لم يتقدم لها أحد للزواج في مغريات الجنس فيحدث الفساد من الطرفين كما يروي ول ديورانت في كتابه"مباهج الفلسفة"وإن لم ينسب ذلك الشر لليهود!
وكل ذلك كان قمينا أن يظل محصورًا في البيئة الأوربية ولا يصبح"عرفًا"عالميًا لو بقى النموذج الإسلامي ناصعًا مشرقًا يغري البشرية بالصعود بدل ما يغريها اليهود بالهبوط.
أما الربا فهو كارثة الحياة المعاصرة في عالم الاقتصاد:
(الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) [2] .
والنتيجة الحتمية للربا -كما قال أحد الخبراء الألمان في تقرير له- هي زيادة تضخم المال في أيدي فئة يتناقص عددها باستمرار، وتزايد الفقر في فئة يتزايد عددها باستمرار! وكفى بذلك إثمًا تذوق منه البشرية الوبال!
ولو بقى النموذج الإسلامي النظيف في تنمية المال بلا ربا ما أصبح الربا عملة عالمية، يظن الناس أنه لا قيام للحركة الاقتصادية بدونه، ولتوزعت المغارم والمغانم على الناس بالعدل دون أن يقع عليهم الظلم الذي يصاحب الربا باستمرار:
(وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) [3] .
وذلك فضلًا عن القوة الرهيبة التي اكتسبها اليهود من عملية الربا فهم -خلال التاريخ كله- هم المرابون، وهم المستغلون لحاجة الناس للإثراء منها بالمال الحرام ..
تلك أبرز الشرور التي أصابت العالم كله من غياب الأمة الإسلامية عن الساحة. وما أبعد الفارق بين صورة البشرية والمسلمون موجودون فيها، قائمين برسالتهم، ممارسين للإسلام في عالم الواقع، مقدمين القدوة النظيفة للناس، وبين صورتها الحالية، المنتكسة إلى أسفل، بالرغم من كل ما فيها من التقدم العلمي والمادي الذي كان قمينا أن يسعد البشرية ويهيء لها مزيدًا من الاستقرار، بدلًا من الشقوة التي تعم الأرض اليوم وتهددها بالدمار.
وهذا العنوان"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"جدير بأن يكون عنوانًا رئيسياَ في الكتابة عن فترة الانحسار في حياة الأمة الإسلامية، وأن يكتب فيه الكثير الكقير، حتى يقدر المسلم المعاصر مسئوليته في قيادة البشرية، ومعنى قوله تعالى:
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [4] .
(1) سورة الأعراف: 179.
(2) سورة البقرة: 275.
(3) سورة البقرة: 279.
(4) سورة البقرة: 143.