الصفحة 138 من 142

(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ، كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [1] .

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [2] .

(قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ، إِن يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ، إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [3] .

(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [4] .

(اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [5] .

والإسلام هو الذي يعطي"الميزان"الذي تنضبط به حياة الناس:

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [6] .

الميزان الذي يصحح انحرافات الجاهلية.

والجاهلية المعاصرة بالذات قد انحرفت في سلوكها وفي تصوراتها بأشد مما انحرفت أي جاهلية في التاريخ، فأنكرت وجود الله جهرة، وإن أقرت بوجوده نفت عنه صفة الخلق، وإن أقرت بأنه الخالق رفضت ألوهيته وحاكميته، فلم تعبده حق عبادته، ولم تنفذ شرعه، ولم تلتزم بمنهجه ..

وقد كان دين بولس، والكنيسة الأوربية التي اعتنقته ومارست به الطغيان على الناس، عاملين مباشرين في انحرافات الجاهلية المعاصرة، إذ كانت ردود الفعل لهذا الطغيان عنيفة جارفة، جرفت في طريقها كل القيم التي كانت سائدة في عصر ما قبل النهضة، بما في ذلك الدين ذاته. وهكذا كانت الفترة الكنسية انحرافًا وردود الفعل التي أحدثتها انحرافًا آخر .. وكلا الانحرافين خطير!

لقد انتقلت أوربا من دين بلا حضارة إلى حضارة بلا دين! ومن دين بلا علم إلى علم بلا دين! ومن دين يقتل حيوية الناس بالرهبانية السلبية وإهمال عمارة الأرض، إلى حيوية عارمة تقتل الدين! ومن فكر يعتقد الثبات في كل شيء ويرفض إحداث أي تغيير في جانب من الحياة لأنه يخالف سنة الثبات، إلى فكر يعتقد التطور في كل شيء ولا يقر الثبات في شيء على الإطلاق [7] !

ويحتاج الناس اليوم -أكثر من أي وقت مضى- إلى"الميزان"الذي يصحح تلك الانحرافات، فيمنح الناس دينا يتقبل الحضارة، بل تتولد منه الحضارة، ويتقبل التقدم العلمي، بل يتولد منه التقدم العلمي، ويعطي الحيوية اللازمة لتعمير الأرض في كل اتجاه، مع الالتزام بالمنهج الذي يرفع الإنسان عن انتكاسات قبضة الطين حين تخبو فيها نفخة الروح، وفي الوقت ذاته يبيح الاجتهاد لإنشاء صور متجددة تدول حول المحاور الثابتة، فيتوازن الإنسان بين الثابت والمتغير، لا تجمد حياته فتأسن، ولا تنفلت حركته من الضوابط فيختل كيانه وتفسد فطرته.

وهل وجد هذا الميزان في غير دين الله، وخاصة في الرسالة الخاتمة التي قال الله فيها:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [8] .

(1) سورة الانفطار: 6 - 12.

(2) سورة المؤمنون:115.

(3) سورة ص: 67 - 72.

(4) سورة فصلت: 9 - 11.

(5) سورة الجاثية: 12 - 13.

(6) سورة الحديد: 25.

(7) انظر تفصيل هذه القضية إن شئت في فصل"توقعات المستقبل"من كتاب"رؤية إسلامية".

(8) سورة المائدة: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت