كذلك ينبغي لفت نظر الدارس إلى مواقف أهل الكتاب من الإسلام منذ عهده الباكر.
فأما اليهود فقد صنعوا ما صنعوا في المدينة لمحاولة القضاء على هذا الدين في مهده، مما تحفل به كتب السيرة وكتب التاريخ.
وأما النصارى فقد كانوا هم البادئين بالعدوان قبل أن يتحرك الإسلام من الجزيرة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهم الذين قتلوا رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجهز عليه الصلاة والسلام لحربهم ذلك الجيش الذي توفى عليه السلام قبل أن يغادر المدينة، وعلى رأسه أسامة بن زيد، ابن الرسول الذي قتله الروم، فأنفذ أبو بكر الجيش متممًا لعمل الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
فإذا اجتمع في ذهن الدارس كيد اليهود ودورهم في فتنة عثمان وفتنة القتال بين علي ومعاوية، وكيد النصارى وتحرشهم بالمسلمين حتى قبل أن يتحرك المسلمون لقتالهم، فقد وضحت له البذور الأولى -القديمة جدًا- للمخطط الصليبي الصهيوني، الذي حارب الإسلام في القرون الأخيرة بغية القضاء عليه، ولم يفاجأ بهذا المخطط حين يعرف تفصيلاته في مكانها من التاريخ الحديث والمعاصر.
وفي النهاية نقول إن دراسة هذه الفترة من التاريخ ينبغي أن تترك انطباعًا لا يمحي في نفس الدارس. انطباعًا بأن الإسلام دين واقعي قابل للتطبيق في عالم الواقع بكل مثالياته. فهي ليست مثاليات معلقة في الفضاء لمجرد التأمل أو التمني. ولكنها مثاليات واقعية، في متناول التطبيق إذا حاولها الناس بالجدية الواجبة، وأعطوها حقها من الجهد.
ثم انطباعًًا بأن ما حدث مرة يمكن أن يحدث مرة أخرى، لأن البشر هم البشر. وقد استطاع البشر أول مرة أن يصعدوا إلى تلك الآفاق العالية، فعلى البشر دائمًا أن يحاولوا الصعود مرة أخرى. وسيصعدون حين يعزمون، وسينالون على ذلك النصر والتمكين:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [1] .
(1) سورة النور: 55.