هم الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار! ونزلت لهم أوامر كثيرة ألا يفسدوا في الأرض، ولكنهم -من أجل أن يعيشوا هم- ينشرون الفساد في الأرض كما قال الله عنهم: ( .. وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [1] ويستندون في إفساد من يسمونهم"الأمميين"على ذات القاعدة:"ليس علينا في الأميين سبيل، على أساس أن أمتهم -العرقية- هي شعب الله المختار."
أما الأمة النصرانية فقد جمعها رباط العقيدة ذات يوم -لفترة قصيرة- ولكن الخلافات المذهبية فرقتها فرقًا متعادية متباغضة كما قال الله عنهم: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [2] . ولما اعتنق قسطنطين النصرانية بدا لفترة من الوقت أنه على الأقل قد وحّد الموافقين على مذهبه في أمة تربطها عقيدة. ولكن البناء السياسي للدولة الرومانية لم يكن يحقق معنى الأمة في صورتها الربانية، فقد كانت هناك دولة أمّ، وبقية الدولة مستعمرات رومانية مهمتها خدمة الدولة الأم .. وهذا لا يحقق"الأخوّة"التي تحكم رباط الأمة .. ثم تفرقت الإمبراطورية ذاتها في قوميات مختلفة، فانفصمت كل الروابط، ولم يعد يربط الأمة النصرانية رباط إلا عداؤها الصليبي للإسلام، فهنا فقط تجتمع وتتوحد ويقوم التآزر بينها على أتمه! وأما في غير ذلك فلا اتفاق!
والأمة الإسلامية هي التي حققت معنى الأمة أطول فترة من الزمن عرفتها الأرض .. أمة لا تقوم على عصبية الأرض ولا الجنس ولا اللغة ولا اللون ولا المصالح الأرضية .. إنما هو رباط العقيدة، يربط بين العربي والحبشي والرومي، والفارسي، ويربط بين البلاد المفتوحة والأمة الفاتحة على أساس الأخوة الكاملة في الدين.
ولئن كان معنى الأمة قد حققته هذه الأمة أطول فترة عرفتها الأرض، فقد كانت فترة صدر الإسلام أزهى فترة تحققت فيها معاني الإسلام كلها، بما فيها معنى الأمة، على نحو غير مسبوق.
ثالثًا: أنه مجتمع أخلاقي، يقوم على قاعدة أخلاقية واضحة مستمدة من أوامر الدين وتوجيهاته. وهي قاعدة لا تشمل علاقات الجنسين وحدها، وإن كان هذه من أبرز سمات هذا المجتمع، فهو خال من التبرج، ومن فوضى الاختلاط، وخال من كل ما يخدش الحياء من فعل أو قول أو إشارة، وخال من الفاحشة إلا القليل الذي لا يخلو منه مجتمع على الإطلاق.
ولكن القاعدة الأخلاقية أوسع بكثير من علاقات الجنسين. فهي تشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والتعبير .. فالحكم قائم على أخلاقيات الإسلام، وعلاقات الناس في المجتمع قائمة على الصدق والأمانة والإخلاص والتعاون والحب .. لا غمز ولا لمز ولا نميمة ولا قذف للأعراض ..
رابعًا: أنه مجتمع جاد .. مشغول بمعالي الأمور لا بسفسافها. وليس الجد بالضرورة عبوسًا وصرامة! ولكنه روح تبعث الهمة في الناس وتحث على النشاط والعمل والحركة. كما أن اهتمامات الناس هي اهتمامات أعلى وأبعد من واقع الحس القريب. وليست فيه سمات المجتمعات الفارغة المترهلة، التي تتسكع في البيوت وفي الطرقات، تبحث عن وسيلة"لقتل الوقت"من شدة الفراغ!
خامسًا: أنه مجتمع مجند للعمل .. في كل اتجاه. تلمس فيه روح الجندية واضحة، لا في القتال في سبيل الله فحسب، وإن كان القتال في سبيل الله قد شغل حيزًا كبيرًا من حياة هذا المجتمع .. ولكن في جميع الاتجاهات. فالكل متأهب للعمل في اللحظة التي يطلب منها فيها العمل .. ومن ثم لم يكن في حاجة إلى تعبئة عسكرية ولا مدنية، فهو معبأ من تلقاء نفسه بدافع العقيدة، وبتأثير شحنتها الدافعة لبذل النشاط في كل اتجاه.
سادسًا: أنه مجتمع متعبد. تلمس روح العبادة واضحة في تصرفاته. ليس فقط في أداء الفرائض، والتطوع بالنوافل ابتغاء مرضاة الله. ولكن في أداء الأعمال جميعًا. فالعمل في حسه عبادة، يؤديه بروح العبادة. الحاكم يسوس رعيته بروح العبادة (وفي القمة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما) والجندي المقاتل في سبيل الله يقاتل بروح العبادة. والمعلم الذي يعلم القرآن ويفقه الناس في الدين يعلم بروح العبادة. والتاجر الذي يراعي الله في بيعه وشراءه يفعل ذلك بروح العبادة. والزوج يرعى بيته بروح العبادة. والزوجة ترعى بيتها بروح العبادة، تحقيقًا لتوجيه الرسول- صلى الله عليه وسلم-:"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" [3] .
تلك سمات بارزة في ذلك المجتمع، لا تساق هنا على سبيل الحصر .. وهي التي جعلته مجتمعًا مسلمًا في أعلى آفاقه. وهي التي جعلت هذه الفترة هي الفترة المثالية في تاريخ الإسلام. كما أنها هي التي ساعدت في نشر هذا الدين بالسرعة العجيبة التي انتشر بها. فحركة الفتح ذاتها من أسرع حركات الفتح في التاريخ كله، بحيث شملت في أقل من خمسين عامًا أرضًا تمتد من المحيط غربًا إلى الهند شرقًا، وهي ظاهرة في ذاتها تستحق التسجيل والإبراز، وكذلك دخول الناس في الإسلام في البلاد المفتوحة بلا قهر ولا ضغط .. وقد كانت تلك السمات التي اشتمل عليها المجتمع المسلم هي الرصيد الحقيقي لهذه الظاهرة، فقد أحب الناس الإسلام لما رأوه مطبقًا على هذه الصورة العجيبة الوضاءة، فأحبوا أن يكونوا من بين معتنقيه.
(1) سورة المائدة: 64.
(2) سورة المائدة: 14.
(3) متفق عليه.