النهاية. ولكن يظل هناك فارق بين القيام"بواجب"يحسن بالإنسان أن يؤديه، ولكن لا تثريب عليه إن لم يقم به، وبين القيام بتكليف متعلق بالعقيدة، يأثم الإنسان على تركه، ويحاسب عليه بين يدي مولاه يوم القيامة ..
كل فرد في الإسلام مكلف بإقامة الإسلام في ذات نفسه بمعنى التحاكم إلى شريعة الله، فيحل ما أحل الله ويحرم ما حرم الله، وإلا خرج من"الدين" [1] ومكلف كذلك بتغيير المنكر بدرجة من درجاته الثلاث، حسب موقعه من المجتمع، وحسب قدرته، وإلا خرج من الدين [2] . وليس كذلك أي نظام من النظم الأرضية التي لا ترتبط بالعقيدة في الله.
وهذه الحقيقة .. وهي كون التطبيق الواقعي للإسلام مهمة لا تتعلق بالحاكم وحده، ولكن تتعلق بكل فرد مسلم مكلف، هي التي حفظت هذا الدين -بقدر من الله- قرونًا طويلة جدًا رغم فساد الحكام المتزايد، الذي سنتعرض لدراسته في الفصل القادم.
لذلك يجب دراسة تاريخ الإسلام دائمًا في المجتمع المسلم، إلى جانب دراسته في الحكومة المسلمة، مع التركيز على المجتمع بأكثر من التركيز على الحكومة، لأن الحكومة قد تفسد ويظل المجتمع مسلمًا، أما إذا فسد المجتمع فلا إسلام!
ولذلك أيضًا لا يجوز أن تصرفنا الشخصيات الفذة -وخاصة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وعمر بصفة أخص- عن الاهتمام بتتبع التطبيق الإسلامي في واقع المجتمع المسلم، فهذه هي الصورة الأكثر دلالة. وما الحكومة الإسلامية إلا جانب من جوانب الصورة الإسلامية، ولكنها وحدها ليست هي الصورة.
وحين ندرس المجتمع المسلم في صدر الإسلام فستبرز لنا فيه مجموعة من السمات:
أولًا: أنه -في عمومه- مجتمع مسلم بكامل معنى الإسلام، عميق الإيمان بالله واليوم الآخر، مطبق لتعاليم الإسلام بجدية واضحة والتزام ظاهر، وبأقل قدر من المعاصي وقع في أي مجتمع في التاريخ. الدين بالنسبة له هو الحياة، وليس شيئًا هامشيًا يفيء الناس إليه بين الحين والحين. إنما هو حياة الناس وروحهم، ليس فقط فيما يؤدونه من شعائر تعبدية يحرصون على أدائها على وجهها الصحيح، وإنما في أخلاقياتهم، وتصوراتهم، واهتماماتهم، وقيمهم، وروابطهم الاجتماعية، وعلاقات الأسرة، وعلاقات الجوار، والبيع والشراء، والضرب في مناكب الأرض والسعي وراء الأرزاق، وأمانة التعامل، وكفالة القادرين لغير القادرين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرقابة على أعمال الحكام والولاة ..
ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن كل أفراد المجتمع هم على هذا الوصف، فهذا لا يتحقق في الحياة الدنيا، ولا في أي مجتمع من البشر. وقد كان في مجتمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما ورد في كتاب الله- منافقون يتظاهرون بالإسلام وهم في دخيلة أنفسهم من الأعداء، وكان فيه ضعاف الإيمان، والمعوّقون، والمثّاقلون، والمبطّئون، والخائنون .. ولكن هؤلاء جميعًا لم يكن لهم وزن في ذلك المجتمع، ولا قدرة على تحويل مجراه. لأن التيار الدافق هو تيار أولئك المؤمنين الصادقي الإيمان، المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، الملتزمين بتعاليم هذا الدين.
ثانيًا: أنه المجتمع الذي تحقق فيه على أعلى مستوى المعنى الحقيقي"للأمة".
فليست الأمة مجرد مجموعة من البشر جمعتهم وحدة اللغة ووحدة الأرض ووحدة المصالح .. فتلك هي الروابط التي تربط البشر في الجاهلية، فإن تكونت منهم أمة فهي أمة جاهلية.
أما الأمة -بمعناها الرباني- فهي الأمة التي تربط بينها رابطة العقيدة، بصرف النظر عن اللغة والجنس واللون .. ومصالح الأرض القريبة .. وهذه لم تتحقق في التاريخ كله كما تحققت في الأمة الإسلامية.
فالأمة اليهودية أمة عرقية -ولو جمعت بينها عقيدة- بل إنها عرقية متعصبة، تلوي التعاليم الربانية لتفصّلها على مصالحها العرقية الخاصة، فقد نزل بها أمر بتحريم الربا نصه في ثوراتهم -المعربة-"لأخيك لا تبع بربا"فجعلوه مقصورًا على التعامل بين اليهود بعضهم وبعض. أما غيرهم فيباح امتصاص دمه عن طريق الربا كما جاء في كتاب الله عنهم: ( .. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) [3] وكما قالوا هم عن تلمودهم: الأمميون
(1) لقوله تعال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [سورة المائدة: 44] أي: من لم يحرّم الحرام ويحلّ الحلال، وشرع بغير ما أنزل الله. وهذا بخلاف المعصية، التي لا تتعلق بالتشريع، إنما تتعلق بالمخالفة في التنفيذ مع الإقرار بأصل التحاكم إلى شريعة الله دون غيرها من الشرائع، فهذه لا تخرج الإنسان من الدين.
(2) لقوله-صلى الله عليه وسلم-:"فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (رواه مسلم) على تفصيل بطلب في كتب الفقه.
(3) سورة آل عمران: 75.