وسنتكلم عن المد الإسلامي في الفصل القادم. ولكنا نشير هنا فقط إلى هذه الظاهرة الفذة التي تلفت النظر، وهي الحيوية الهائلة التي بعثها الإسلام في هذه الأمة، والتي بلغ من قوتها ألا تقفها الزلازل ولا العواصف ولا الدوامات، بل تنطلق في طريقها، كأن أصحابها يندفعون في الهواء اندفاعًا ولا يضعون أقدامهم على الأرض!
إن هذا شأن العقيدة .. والحركة التي تنبثق من العقيدة ..
وحين تكون العقيدة هي لا إله إلا الله .. وحين تكون راسخة في قلوب أصحابها كما كانت هذه العقيدة، فإن الطاقة التي تنشأ عنها تكون شيئًا ضخمًا يفوق التصور، ويتجاوز المعتاد في مقاييس البشر.
إن قومًا من الناس تهولهم الزوبعة التي غشيت المجتمع المسلم بالنزاع بين علي ومعاوية، وبمقتل عثمان من قبل، فيحسبون أن الإسلام قد توقف، أو انتهى عند هذه النقطة.
ولكن الواقع أوقع من الظن!
الزوبعة حقيقة لا شك فيها .. والمد الإسلامي بعدها حقيقة لا شك فيها كذلك! فما بالنا نقف عند الزوبعة ولا نلتفت إلى المد؟!
إنها معجزة هذا الدين .. أن يستوعب الصدمة المدمرة، ثم يقوم معافيّ يستأنف نشاطه كأن لم يصبه شيء! ولا يحدث هذا في واقع الناس حين تكون القوة محدودة والحيوية ضئيلة. إنما يحدث حين تكون كل ذرة في الكيان منطلقة بكامل شحنتها. فحين تفقد بعذ الذرات شحنتها -لحادث يصيبها- فإن الشحنة المذخورة في بقية الذرات سرعان ما تعوضها، فتبدو كأن لم يُفْقد منها شيء .. وهذا هو الذي ينبغي أن يتنبه له دارس هذه الفترة من التاريخ، ويتنبه إلى أنه من آثار قوة هذه العقيدة في نفوس الناس .. فإن القوم الذين تهولهم الزوبعة يتساءلون: أين إذن أثر العقيدة؟ ولماذا لم تمنع حدوث ما حدث؟! ونقول -كما قلنا من قبل- إن العقيدة لن تغير بشرية البشر! والبشر -دائمًا- عرضة للانحراف والهبوط:
(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [1] .
( .. وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) [2] .
"كل بني آدم خطاء .." [3] .
ولكن المؤمنين يقومون من كبوتهم فيرجعون. وهذا هو الفارق بينهم وبين غيرهم من الناس. وهو كذلك الذي يفسر المد الهائل الذي حدث بعد الزلزال ..
وقبل أن نغادر فترة صدر الإسلام، نقف لنلخص أبرز الجوانب التي يجب أن نركز عليها في أثناء دراسة هذه الفترة من التاريخ.
إننا -لأسباب كثيرة قد تتشابه في نفوسنا وقد تختلف- تتعلق بدراسة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- أكثر مما تتعلق بدراسة المجتمع ذاته على اتساعه. بعضنا قد يعتبر هؤلاء عنوانًا للمجتمع فيكتفي بدراستهم عن دراسته. وبعضنا بحكم انطباع الدراسة الطويل قد لا يعنيه إلا التاريخ السياسي للإسلام، أي تاريخ الحكام، وبعضنا قد يكون أكثر تأثرًا بالفرد الممتاز منه بالجموع المبهمة التي تيكون منها المجتمع .. وقد يكون لبعضنا أسباب غير ذلك جميعًا.
ولكن أيًّا كانت الأسباب فيجب أن يتضح للدارس أن الإسلام بالذات ليس شأن الحكام وحدهم، ولكنه شأن كل واحد من المسلمين. كل إنسان فرد مكلف بإقامة الإسلام في نفسه، ومكلف كذلك بدعوة الآخرين إلى إقامته في أنفسهم.
وقد تكون النظم كلها كذلك من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية التطبيقية فالأمر يختلف. ويظل الإسلام متفردًا بمزيته، بحكم أنه عقيدة، ونظام قائم على العقيدة، ومن ثم يصبح الجانب الشخصي في إقامته أضخم كثيرًا منه في أي نظام آخر .. وقد تكون الديمقراطية"الليبرالية"هي التي تخطر على البال للمقارنة في هذا الجانب، ففيها دور واضح للفرد، وما لم يتمسك الأفراد بحقوقهم الديمقراطية، ويؤدوا واجبهم في إقامتها فلن تقوم في
(1) سورة طه:115.
(2) سورة النساء: 28.
(3) سبق ذكره.