الصفحة 61 من 142

ثالثًا: ضرورة إبراز الدور الحقيقي الذي قام به عبد الله بن سبأ في الفتنة.

رابعًا: أن المد الإسلامي لم ينحسر ولم يتوقف بسبب هذا الحادث العارض -رغم فداحته- لأن حيوية الإسلام كانت أضخم من أن يقفها أي عائق على الإطلاق!

أما النزاع بين علي ومعاوية فقد كتب في شأنه الكثير في كتب المؤرخين القدامى، سواء من أنصار علي أو من أنصار معاوية، كل يدافع عن صاحبه، ويورد من الوقائع ما يدين به الفريق الآخر، كما كتب"محايدون"حاولوا تمحيص الكوم الهائل من الروايات ليخرجوا بنتيجة يطمأن إليها.

وفي ظني أن خير وسيلة للوصول إلى النتيجة التي يطمأن إليها بشأن هذا النزاع هي اتباع منهج المحدّثين في الجرح والتعديل بالنسبة للرواة، واتباع منهجهم كذلك في محاكمة النصوص بمقتضى فن الرواية والدراية.

وأذكر أنني تناقشت في ذلك مع بعض المتخصصين في التاريخ الإسلامي فقالوا: لو طبقنا هذا المنهج على التاريخ ما بقى في أيدينا شيء يعتد به! وتلك نظرة مشرعة، وأخشى أن أقول متكاسلة، تحجم عن بذل الجهد لأنها تعلم مشقته، فتحكم ابتداء بأنه لن يؤدي إلى نتيجة! وقد بدأت تظهر بالفعل بحوث جامعية تتبع هذا المنهج العظيم، وتغوص به في خضم الروايات المتضارية لتخرج بنتائج معقولة في شأن بعض الوقائع، وهي بحوث تبشر بالخير، وتغري بمواصلة الجهد [1] .

المهم عندنا أن نصل بقدر الإمكان إلى التصور الصحيح للأحداث التي جرت في ذلك النزاع. ليس همنا تجريح أحد من الصحابة -رضوان الله عليهم-، فقد نهينا عن ذلك. وليس همنا أن نتعصب لفريق معين فنلوي دلالات الأحداث لتوافق هوى معينًا في نفوسنا.

وليس همنا أن نثير نزاعات جديدة لا يستفيد منها الإسلام بشيء.

إنما نعرف ما وقع بالفعل، لنعرف كيف ترتب عليه ما ترتب فيما بعد.

لقد كانت -بكل المقاييس- زلزلة عنيفة ارتج لها المجتمع الإسلامي، وخلفت آثارًا ما زال بعضها باقيًا حتى اليوم، ووقعت فيها مآس ما كان ينبغي أن تحدث ..

ولكنا -من جانب آخر- لا مصلحة لنا في أن نقف طويلًا عند الزلزلة، نتحسر على ما وقع فيها.

إنها أحداث"بشرية"على أي حال، قابلة لأن تقع من البشر، خاصة حين تنزغ بينهم الشياطين .. وقد كانت الشياطين جاهزة للعمل، متلهفة على إشعال الفتنة، ناشطة فيها بأقصى جهدها، وكان عبد الله بن سبأ على رأسها يخطط ويدبر ويجمّع الأجناد!

ولكن الذي يجدر بنا أن نقف عنده أن الزلزلة مرت، فإذا المد الإسلامي الكاسح يتوسع في أرجاء الأرض كأن لم يحدث شيء، وكأن الدوامة ابتلعت ما وقع فيها من أشخاص وأحداث، ثم هدأت العاصفة فعاد التيار يتدفق في مجراه كما كان!

طبعًا تغيرت أشياء، وحدثت في المجرى انحناءات ..

ولكن الذي يلفت النظر أن أحداثًا كهذه لو وقعت في مكان آخر، وفي نظام آخر، فلربما أودت به وطمست معالمه .. أو حولت مجراه تحويلًا جذريًا فأصبح شيئًا آخر غير الذي كان.

ولكنا حين نحقق تحقيقًا دقيقًا نجد أن الذي تغير من ملامح المجتمع المسلم قليل جدًا بالنسبة لما بقى على حاله. ثم نجد انطلاقة هائلة للإسلام في ربوع الأرض تمتد من الهند شرقًا إلى المحيط غربًا ثم تنطلق وراء الحواجز لتبدأ جولة في الأندلس تستمر ثمانية قرون!

(1) خذ سبيل المثال"مرويات أي مخنف في تاريخ الطبري"رسالة ماجستير للطالب يحيى بن إبراهيم اليحيى، جامعة المدينة، طبع دار العاصمة بالرياض 1310هـ، وفي الطريق بحوث أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت