الصفحة 60 من 142

وماذا يفعل الناس -مع وجود الدستور، ووجود المؤسسات التي تحميه- حين يَنْفُذ اليهود بوسائلهم الملتوية، فيقتلون رئيس الجمهورية [1] ، ويرشون أعضاء المجلس النيابي -أو يرهبونهم- لتمرير مصالحهم الملتوية التي لا خير فيها للشعب، ولا يستفيد منها إلا اليهود .. [2] ؟!

وليس معنى هذا أن نرضى عما وقع من مخالفات أو انحرافات بعد حكم الشيخين، ولا معناه ألا نسعى في الوقت الحاضر لتأسيس"المؤسسات"التي تحوّل المفاهيم السياسية الإسلامية إلى صور تطبيقية واقعية، ولكنا نريد فقط أن نلفت النظر إلى أن هناك شيئًا أهم بكثير من المؤسسات في ذاتها، هو التربية .. وأن المؤسسات من السهل أن تنقلب إلى مؤسسات طغيانية في غيبة الروح الحقيقية، وفي غيبة الجهاد المستمر من قبل الأمة للمحافظة على التطبيق الصحيح للإسلام.

وبهذه المناسبة نقول إن حكم عمر كان على هذا النحو من العظمة في التطبيق الواقعي للإسلام، لأن المجتمع الإسلامي في عمومه كان على ذات المستوى من العظمة، وليس فقط لأن عمر كان عظيمًا إلى هذا الحد. فالتطبيق الصحيح للإسلام ليس مهمة الحاكم وحده، ولا هو معتمد على الحاكم وحده، كما يتخيل كثير من الناس. إنما هو مهمة الحاكمين والمحكومين على ذات المستوى من المسئولية. والواقع التطبيقي هو دائمًا حصيلة حال الحاكمين والمحكومين معًا في ذات الوقت. ولقد قال أحد الناس لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان عمر يحسم في الأمور وأنت لا تحسم! فقال -رضي الله عنه- كنا نحن جنود عمر، وأنتم جنودي!!

إذا وصلنا إلى عهد عثمان -رضي الله عنه- فستقابلنا أول فتنة حقيقية في تاريخ الإسلام، إذا أسقطنا من حسابنا فتنة الردة، التي وقعت من قوم لم يكن الإسلام قد تأصل في نفوسهم، وتم القضاء عليها في حينها دون أن تخلّف صدعًا في الأمة الإسلامية، بل أسلموا هم أنفسهم واستقاموا على الإسلام ..

وقد وقعت في عهد عثمان -رضي الله عنه- هفوات في سياسة الحكم، ولكن ضمير عثمان يجب أن يظل فوق مستوى الشبهات. فما كان الأمر في نفسه استهتارًا بمصالح المسلمين، ولا تفريطًا في واجبات الإسلام، ولا رغبة في متاع شخصي، فما كان عنده يوم قتل شيء مما يحرص عليه عبّاد الدنيا وينحرفون من أجله. إنما كان فرط السماحة في نفس عثمان -رضي الله عنه- وفرط الثقة في قوم من قرابته أساءوا استخدام هذه الثقة وحادوا بها عن خط الالتزام الصارم الذي ألزم أبو بكر وعمر نفسيهما به من قبل، وألزما من يولونهما من الولاة .. ولكن الذي ينبغي إبرازه هو دور اليهود في إثارة هذه الفتنة والوصول بها إلى ما وصلت إليه بالدس والكذب والتشنيع والتهييج. فإن الذي تولى كبر هذه الفتنة هو عبد الله بن سبأ، اليهودي الذي تظاهر بالإسلام ليكيد له من الداخل، بعد أن يئس اليهود من القضاء على الإسلام في مهده في المدينة برغم كل الجهد الشيطاني الذي بذلوه، وأمر الله بإجلائهم فأخرجوا من المدينة ثم من الجزيرة كلها، فلجئوا إلى هذا الطريق الخبيث، فتظاهر من تظاهر منهم بالإسلام، ليعمل من داخل الصف.

وكان عبد الله بن سبأ يطوف الأمصار يشنع على عثمان -رضي الله عنه- بما يهيج خواطر الناس ليستثيرهم ضده حتى تقع الفتنة التي دبرها. وكان أبشع ما صنع هو وفئته أن زوروا خطابًا بخاتم عثمان يأمر فيه بمقتل محمد بن أبي بكر، وكان هذا الخطاب بالذات من أشد ما هيج مشاعر المسلمين.

وأخيرًا وقعت الحوادث المؤسفة التي أدت إلى قتل عثمان، وقيام النزاع بين علي ومعاوية، وما تلا ذلك من شروخ في جسم الأمة الإسلامية ما تزال آثارها قائمة إلى هذه اللحظة. وإن كان الكيد الشيطاني قد فُوِّت على أصحابه، فلم ينته الإسلام بهذه الفتنة كما أرادوا، بل بقى كما أراد الله، ومضى قدمًا ينتشر في آفاق الأرض.

والوقفات التي نقفها عند دراسة عهد عثمان -رضي الله عنه-:

أولًا: أن الهفوات التي حدثت بكل حسن النية في عهد عثمان رضي الله عنه، تبدو لنا جسيمة لأنها تجيء في الفترة المثالية للتطبيق، بعد حكم الشيخين -رضي الله عنهما- وإلا فإن أضعاف هذه الهفوات قد ارتكب فيما بعد، ومع ذلك فنحن أنفسنا الذين نستهول ما حدث في عهد عثمان نمر بها في سهولة، لا تثير في نفوسنا الكثير!

ثانيًا: أن تقويم هذه الهفوات ومحاولة رد الأمر إلى نصابه كان مطلوبًا من الأمة المسلمة دون شك (وقد كان علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم يحاولونه) ولو قصروا فيها لكانوا مقصرين في حق من حقوق الله وحق من حقوق الأمة [3] . ولكن العنف الذي حدث، وأدى إلى قتل الخليفة النظيف اليد والسريرة واللسان كان جنوحًا زائدًا لا يقتضيه الموقف ولا يرضى عنه الإسلام.

(1) كما قتل كنيدي في أمريكا!

(2) كما يحدث في كل البرلمانات الأوروبية والأمريكية!

(3) قال لي أحد المتأثرين بالفكر الغربي مرة، لو كانت عند المسلمين يومئذ"مؤسسات"ألم تكن تعزل عثمان؟! وقالت له إن"مؤسسة"أهل الحل والعقد كانت موجودة ولو رأت أن الأمر يستدعي عزل عثمان رضي الله عنه لعزلته -وهي تملك ذلك- ولكن الأمر لم يكن يستدعي هذا الإجراء العنيف!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت