وعمر هذا، المرهوب الجانب بما أضفى الله عليه من هيبة ربما لم تتح لحاكم آخر في التاريخ، هو الذي وقف في المسجد يقول: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، فيقوم له سلمان الفارسي فيقول له: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة! فلا يغضب ولا يثور، ولا يأمر باعتقال سلمان، ولا يعنفه، ولا يهدده باتخاذ أي إجراء ضده، بحجة أن الحرب قائمة على الحدود في جبهتين اثنتين لا جبهة واحدة، ومع أعظم قوتين دوليتين في وقت واحد، وأنه"لا صوت يعلو على صوت المعركة"كما قال أحد طغاة التاريخ الحديث ليبرر تكميم الأفواه في بلده، ومنع توجيه النقد إليه .. إنما يقول له في التزام الحاكم المسلم: ولمه؟ يستوضحه عن سبب رد السمع والطاعة الواجبين عليه، فيقول سلمان في ثقة المؤمن الحق: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد كما نال بقية المسلمين. فلما بين له عمر أن ابنه عبد الله بن عمر أعطاه برده ليأتزر به قال سلمان: الآن مر! نسمع ونُطِع!
وهذا درس هائل، لا في شَخْصَي عمر وسلمان رضي الله عنهما، وإن كان كل منهما في هذا الموقف قمة من قمم البشرية، وإنما هو درس هائل في الإسلام!
فهذا هو التطبيق الإسلامي في السياسة!
فالشدة الهائلة من عمر في تطبيق شرع الله على الناس يصاحبهما الالتزام الشديد بالخضوع لحكم الله في ذات نفسه. والشدة من جانب الحاكم في تطبيق شرع الله على الناس، تقابلها شدة من الأمة في الرقابة على الحاكم لإلزامه بتنفيذ شرع الله. وهذا هو الإسلام الذي ينبغي أن يحاول المسلمون تطبيقه في كل زمان ومكان ..
صحيح أنه لم تكن في ذلك المجتمع المسلم في تلك الفترة"مؤسسات"تُقعد لهذه السياسة وترعاها حتى تصبح تقاليد مرعية تحافظ عليها الأمة، فبدا للناس من أجل هذا أنها تصرفات شخصية من بعض أفذاذ المسلمين لا يقاس عليها، وبدا لبعض الدارسين المتأثرين بالتيارات الحديثة أن الإسلام ليس له نظام محدد للحكم ..
وهذا وهم من جميع جوانبه.
فأصول الحكم -التي تحددها"الدساتير"في المصطلحات السياسية المعاصرة- موجودة في الكتاب والسنة [1] . والتطبيق العملي موجود في صورته الصافية في حكم الشيخين رضي الله عنهما. وأقوالهما وتصرفاتهما كلها -بلغة العصر- هي"السوابق الدستورية"التي يُستند إليها عند التطبيق. وأهل الشورى، أو أهل الحل والعقد هم"المؤسسة"التي تقوم بالرقابة على أعمال الحاكم نائبين عن الأمة كلها ومفوضين منها، ومسموعي الكلمة لديها. وهذا نظام مستكمل من جميع جوانبه .. ولكن القضية أن هذا كله لم يكن مكتوبًا في هيئة"مواد دستورية"لأن المسلمين كانوا ممتلئين بالإسلام، مطبقين له تطبيقًا حيًا في ذوات أنفسهم وفي واقع مجتمعهم، بحيث لم يشعروا -وعندهم كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- أنهم في حاجة إلى تدوين دستور في هيئة مواد ذات اصطلاحات"قانونية"محددة.
فلما جاءت الفتن بعد ذلك: فتنة مقتل عثمان -رضي الله عنه، ثم فتنة الخلاف بين علي ومعاوية .. لم تكن الهزات التي حدثت في سياسة الحكم ناشئة من عدم وجود دستور مكتوب أو"مؤسسات"تحمي الدستور، كما يتوهم المتأثرون بالديمقرطية في وقتنا الحاضر، والذين يظنون أنه لو كان الدستور قائمًا ومؤسساته قائمة ما حدث الذي حدث!
إن الهزات جاءت أساسًا من ظاهرة في تاريخ اسلام ربما لم يكن لها مثيل في تاريخ أمة أخرى، هي الانتشار السريع للدعوة، ودخول شعوب بأكملها في الإسلام في سنوات قليلة جدًا، لا كانت هناك أمامها فرصة لتتلقى قسطًا حقيقيًا من التربية الإسلامية كما تربى المهاجرون والأنصار في مكة والمدينة، ولا كان في طوق كل المربين في الأمة الإسلامية أن يربوهم في تلك السنوات القليلة ليصبحوا على المستوى المطلوب للمجتمع المسلم.
فإذا أضيف إلى هذا مؤامرات المتآمرين على الإسلام من داخله ومن خارجه من اليهود والمجوس وغيرهم، ونفاذهم إلى فئات من"الجماهير"أسلمت ولكن لم تترب بعد على حقيقة الإسلام ... سهل علينا أن نفهم كيف حدثت الهزات السياسية التي حدثت في ذلك التاريخ ..
أفلو كان هناك"دستور"مكتوب،، و"مؤسسات"قائمة، كان ذلك سيحول دون الهزات التي وقعت؟!
ومن جهة أخرى هل الدستور المكتوب، والمؤسسات القائمة هي التي تحمي الديمقراطية في البلاد الديمقراطية؟! أم إن"التربية"التي يتلقاها الناس هي التي تجعلهم يحافظون على حقوقهم ولا يقبلون من أحد انتهاكها، ويتيقظون لكل مساس بها فيقفونه عند حده؟!
(1) يضاف إليها الاجتهاد فيما يجد من الأمور استنباطًا من أحكام الشريعة الثابتة وهذا بدأ من أيام أبي بكر رضي الله عنه، ثم استمر ..