الْخُلْدَ) [1] ولكن ورد فيه إلى جانب ذلك: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [2] . كما غاب عن بصيرتهم -المحجوبة عن نور الله- أن الدين الذي قيض الله له مؤمنين على هذه الدرجة العالية من رسوخ الإيمان، لم يكن الله ليكل أمره إلى بضعة نفر يهزونه حين يهتزون هم، أو ينقضون بنيانه حين يخرجون عليه!
ولكنها كانت أزمة رغم ذلك!
وكان الكفء لها أبو بكر -رضي الله عنه!
وإن قصر الفترة التي عاشها أبو بكر -رضي الله عنه- ليغطي أحيانًا على عظمتها وعظمة صاحبها -رضي الله عنه وأرضاه-، خاصة حين يعنّ لبعض الناس أن يقارنوه بعمر -رضي الله عنه-، ثم يرجحوا عمر عليه في الميزان [3] .
إن أبا بكر -رضي الله عنه- هو أعظم"روحية"بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتكفي مواقفه الثلاثة الشهيرة: موقفه في إيمانه، الذي لقب من أجله بالصديق، وموقفه عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي هزت عمر -رضي الله عنه- حتى جرد سيفه يريد أن يقتل من"يزعم"أن محمدًا قد مات! حتى فاء إلى إيمانه، وأنزل الله سكينته على قلبه حين سمع أبا بكر يقول: أيها الناس! من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات! ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت! ثم يتلو قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) [4] .
ثم موقفه من حروب الردة، التي هزت أهل الرأي من الصحابة -رضوان الله عليهم- فأشاروا على أبي بكر -رضي الله عنه- بتأجيل قتال المرتدين حتى يرجع الجيش الذي أنفذه أبو بكر لقتال الروم تنفيذًا لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن الموقف الحاسم الذي وقفه أبو بكر حسم الأمر، حتى قال عمر -رضي الله عنه- أشد من كان معارضًا للقتال:"والله ما إن رأيت أبا بكر شرح الله صدره للقتال حتى علمت أنه الحق"!
تلك المواقف الثلاثة كلها كانت سندًا لهذا الدين، أعز الله بها دينه، ومكّن له في الأرض، إلى جانب أعمال كثيرة أخرى قام بها -رضي الله عنه- في فترة خلافته القصيرة، وكلها يستحق الإشادة والتقدير.
كما يجدر أن يعرف الدارس أن أولئك الذين ارتدوا لعدم تأصل الإيمان في قلوبهم، قد عاد كثير منهم إلى الإسلام، وحسن إسلامهم، وشاركوا في معارك الإسلام الكبرى خارج الجزيرة، وماتوا وهم مسلمون.
ثم تأتي فترة عمر -رضي الله عنه- التي امتدت عشر سنوات من أحفل سنوات التاريخ البشري عامة، لا الإسلامي فحسب، وينبغي أن تكون لنا فيها عدة وقفات.
إن عمر -رضي الله عنه- صورة فريدة في التاريخ البشري كله. صورة الحاكم الذي لا يهفو ضميره هفوة في حكمه للناس على مدى عشر سنوات كاملة، في فترة من أصعب فترات التاريخ، فترة بناء الدولة، وملاقاة الأعداء المتربصين في الخارج، الذين يهدفون إلى خنق هذه الدولة قبل أن يستفحل أمرها في الأرض. وهي فترة معاناة شديدة في تاريخ كل الأمم التي رسّخت سلطانها في الأرض، وطالما لجأ الحكام في الجاهلية في مثل تلك الفترات إلى اتخاذ العنف الظالم وسيلة لتثبيت الدولة في وجه ما يقابلها من عقبات. فحين يمر بها عمر -رضي الله عنه- في عدالته لا تتغير، وتواضعه لا يتغير، وزهده في متاع الأرض لا يتغير، واستقامته على الحق لا تتغير .. يكون فذًا ولا شك في التاريخ.
ولكن هناك أمرًا في هذا الشأن لا يجوز لنا أن ننساه .. هو أن عمر -بصورته الفذة تلك- هو من صنع الإسلام! فقد عرفنا صورته في الجاهلية .. وهي صورة كانت تؤهله أن يكون جبارًا من جبابرة الأرض .. فحين يصبح أعدل حاكم عرفته الأرض فذلك ولا شك من فعل الإسلام .. ولا حرج علينا أن نعرض سيرته على أنه الصورة المثلى للحاكم المسلم. وليكن موضع القدوة الدائمة، حتى ولو يتكرر مثله في التاريخ.
ثم إن أعظم ما في سيرة عمر -رضي الله عنه- وأعظم ما اشتمل عليه شخصه، هو الالتزام الكامل بما جاء من عند الله. ومن ثم فسيرته هي الصورة التطبيقية النموذجية للحكم بما أنزل الله في واقع الأرض، التي يجب على المسلمين أن يسعوا إليها أبدًا ويحاولوها أبدًا ..
فشدة عمر الشهيرة هي شدة في تطبيق حكم الله، على نفسه أولًا، ثم على كل فرد في المجتمع المسلم كبر شأنه أو صغر، وكبر الشأن الذي تعرض فيه لحكم الله أو صغر. ولكنها ليست شدة ذاتية تشتد بالحق وبالباطل، ذلك أبعد شيء عن عمر المسلم، وأبعد شيء عن الإسلام.
(1) سورة الأنبياء:34.
(2) سورة الصف: 9.
(3) نلمس ذلك واضحًا في كتاب"عبقرية عمر"للعقاد.
(4) سورة آل عمران: 144.