الصفحة 57 من 142

ولكنا في احتفائنا بتلك الفترة، وعنايتنا بإبراز عظمتها، للمعنى الذي أشرنا إليه آنفًا، وهو كونها رصيدًا حيًّا للأجيال كلها، تحاول أن تستمد منه العزيمة للصعود بدلًا من الانتكاس، فإنه لا يجوز لنا أن نقع في الخطأ الذي كثيرًا ما نقع فيه، وهو تصوير تلك الفترة كأنها فترة ملائكية، لا أخطاء فيها ولا انحرافات، كأن البشر صاروا فيها ملائكة مطهرين ( .. لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [1] !

إننا حين نبالغ -بحسن نية- في تضخيم صورة المجتمع الإسلامي في تلك الفترة وإبراز محاسنه، نتيح الفرصة -دون وعي منا- لردود فعل ضارة يستغلها أعداء هذا الدين استغلالًا ماكرًا لتخذيل الناس عن العودة الجادة للإسلام!

فمن ناحية يوحون للناس بأنهم مهما اجتهدوا فلن يستطيعوا تطبيق الإسلام على حقيقته، لأن ذلك يحتاج إلى عينة من البشر لم تعد توجد في واقع الأرض بعد تلك القرون المفضلة!

ومن ناحية أخرى يوحون للناس بأن الإسلام لم يطبق في واقع الأرض إلا ثلاثين سنة على الأكثر (ومن الناس من يختصر المدة إلى أقل من ذلك!) ثم انتهى! وصار المسلمون بعد ذلك بشرًا عاديين، كأي أمة لم يتنزل عليها وحي، ولم يرسل إليها نبي! فلا معنى إذن لمحاولة بعث الإسلام من جديد، لأنه غير قابل للتطبيق في عالم الواقع!

وسوف نعالج هذه الإيحاءات المسمومة في الفصول القادمة من الكتاب بشيء من التفصيل، ولكن هذا لا يمنعنا هنا من الإشارة إلى بعض الحقائق:

أولًا: أن الذي قد لا يتكرر [2] من أمور هذه الفترة، هو تطوع تلك القرون المفضلة بما لم يفرض عليهم فرضًا، تقربًا إلى الله، وحبًا لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، واتخاذهم المندوبات والمستحبات كأنها فروض واجبة التنفيذ .. أما الحد الأدنى الذي فرضه الله فرضًا في هذا الدين، فهو تكليف دائم لجميع أجيال المسلمين، يحاسبون على التقصير فيه، في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معًا حسب مشيئة الله. وأن هذه التكاليف ليست فوق طاقة البشر لأن الله لا يكلف البشر فوق طاقتهم:

(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [3] .

بعبارة أخرى، لم يكن الذي تميزت به القرون المفضلة أنها قامت بتكاليف هذا الدين! فهذه -في ذاتها- ليست مزية! وكل القرون مكلفة بذلك، ومحاسبة على التقصير فيه. إنما الذي تميزت به هو الصورة الفذة التي قامت فيها بتنفيذ تلك التكاليف، بالتطوع النبيل بما هو فوق الفرض. وهذا ليس مطلوبًا من أحد على سبيل التكليف، وليس شرطًا كذلك لإقامة الإسلام في الأرض! إنما يقوم الإسلام -في صورته العادية- بتنفيذ الحد الأدنى من المفروض من التكاليف، وحين يتحقق الإسلام في صورته العادية، في حده الأدنى، وهو في إمكان البشر في جميع الأجيال، يتحقق قدر كبير من الخبر للبشرية جمعاء، لا يحققه أي نظام آخر في الأرض!

ثانيًا: أن الصورة العادية للإسلام -التي يتحقق بها من الخير للبشرية ما لا يحققه نظام آخر- قد بقيت مطبقة في الأرض فترة طويلة امتدت إلى بضعة قرون، رغم كل الانحرافات التي وقعت من المسلمين خلال تلك القرون.

ثالثًا: أن النماذج الفذة التي تتطوع بأكثر من التكليف المفروض لم تنقطع أبدًا في حياة الأمة بعد القرون المفضلة الأولى، إنما قلت كثافتها حتى صارت ظواهر فردية بعد أن كانت في تلك القرون ظاهرة جماعية، وأن هؤلاء الأفراد هم الإشراقات التي حفل بها التاريخ الإسلامي في كل عهوده، سواء كانوا علماء، أو قادة سياسيين، أو قادة حربيين، أو دعاة ومربين ..

فإذا جعلنا في بالنا هذه الحقائق، فلنعد إلى عرض سريع لفترة صدر الإسلام!

ستعترضنا حروب الردة في مبدأ هذه الفترة .. وينبغي أن يكون واضحًا للدارسين من أول لحظة أن هؤلاء لم يكونوا قد أسلموا حقًا، وإنما كانوا قد خضعوا للسلطان القاهر حين أصبح الإسلام هو صاحب السلطان، فلم يكن غريبًا أن يرتدوا حين ظنوا أن الدولة الإسلامية ستتقوض بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ذلك أنهم -في جاهليتهم التي كانوا ما زالوا يتلفعون بها أو ببقاياها في نفوسهم- كانوا محجوبي البصيرة عن حقائق هذا الدين الواردة في الكتاب والسنة، وأن الله أنزل هذا الدين ليبقى ويستقر في الأرض، ويظهره الله على الدين كله، وأن هذا الأمر لا يتعلق ببقاء شخص الرسول حيًا -صلى الله عليه وسلم- فقد ورد في كتاب الله قوله تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [4] (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ

(1) سورة التحريم: 6.

(2) سبقت الإشارة إلى هذا المعنى في هامشة سابقة.

(3) سورة البقرة: 286.

(4) سورة الزمر: 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت