الصفحة 56 من 142

النصراني أمام عجلة التاريخ المنحرفة لا ليقوّمها ولكن لتدوسه وهو واقف مكانه، فهو يفضل أن تدوسه العجلة وتقتله على أن يسمح لها أن تتجاوزه وهي منحرفة، ولكنه لا يبذل جهدًا لتصحيح مسارها وردها إلى الصراط المستقيم [1] .

وهي ملاحظة دقيقة، بصرف النظر عن خبائث هذا المستشرق! [2] .

إن هذا الدين -على كل مثالياته- نظام واقعي قابل للتطبيق في عالم الواقع، مفصل من لدن حكيم خبير ليكون واقعًا معاشًا في الأرض، لا ليكون شعارات، ولا ليكون مثلًا معلقة في الفضاء.

وهذه الأمة -أو قل بالتحديد قرونها المفضلة الأولى- قامت بتطبيق مثالي لهذا الدين في عالم الواقع، فارتفعت إلى عالم المثل -مع بشريتها الكاملة- وأثبتت في الوقت ذاته واقعية هذا الدين، وقابليته للتطبيق في عالم الواقع.

وتلك هي القيمة الحقيقية لهذه الفترة من التاريخ.

إن هذه الأجيال الأولى -وخاصة الجيل الأول الفريد- قد لا تتكرر مرة أخرى في واقع الأرض [3] . ولكنها تبقى مع ذلك رصيدًا واقعيًا لهذه الأمة في جميع أجيالها، يحفزها على محاولة العودة إلى التطبيق المثالي للإسلام. وهذه المحاولة ذاتها عمل إيجابي مثمر، ولو لم يصل إلى كل النتيجة المطلوبة.

تصور إنسانًا عند سفح الجبل، يعلم يقينًا أن هنا من صعد هذا الجبل إلى قمته، فهو يحاول أن يصعد مثله، وقد يصل إلى منتصفه وقد يصل إلى ربعه، وقد يفلس جهده بعد أن يرقى بضع درجات ..

وتصور إنسانًا آخر واقفًا عند السفح يتطلع إلى القمة وهو يقول في نفسه: إن هذا مستحيل! مستحيل أن يفكر إنسان في صعود هذا الجبل الشاهق، فلنكف عن التطلع، ولنرض بالبقاء في السفح!

أيهما أنفع للبشرية؟ وأيهما أفضل في ذات نفسه؟

ثم .. أي دور يؤديه ذلك الذي صعد إلى القمة أول مرة، في حياة كل الذين يجيئون من بعده، ويحاولون أن يصعدوا مثله، ولوا وصلوا إلى المنتصف، ولو وصلوا إلى ربع الطريق .. ولو أفلس جهدهم بعد رقي بضع درجات؟!

إنه دور ضخم في عالم الواقع ..

ولهذا نحتفي حفاوة بالغة بذلك الجيل الفريد، وبتلك القرون المفضلة، لأنها المدد الحي الذي يدفع الأجيال كلها إلى محاولة الصعود، بدلًا من أن تنتكس إلى أسفل، وتخلد إلى الأرض عند السفح!

وربما كان هذا هو السبب نفسه الذي يجعل المستشرقين يجهدون أنفسهم لمحاولة تشويه تلك الفترة بالذات،، لعلهم يطفئون بريقها، ويحجبون نورها عن الأجيال المتأخرة، لكي لا تفكر أبدًا في معاودة الصعود من جديد.

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [4] .

(1) اقرأ ذلك في الفصل التمهيدي الذي بدأ به كتابه ص9 من الأصل الانجليزي، طبعة أكسفورد، ط4 سنة 1966.

(2) هذا المستشرق من أخبث المستشرقين المعاصرين الذين تتلمذوا على مدرسة المستشرق جب (وهو أبرع من أستاذه في الخبث!) ويتلخص خبثه في أنه يقر بأشياء من عظمة الإسلام وتميزه لا نتوقع أن رجلًا غير مسلم يقر بها، حتى إذا تخدر القارئ المسلم على المديح، دس له من السم ما يشاء، فيتناوله وهو مخدور! (انظر كتاب"المسشترقون والإسلام") .

(3) نقول: قد لا تتكرر، ولكنا لا نجزم بذلك لأنه غيب لا يعلمه إلا الله.

(4) سورة الصف: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت