الصفحة 55 من 142

ثم قدر الله أن يقوم الحكم بما أنزل الله واقعًا معاشًا في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، نموذجًا غير مسبوق!

فلئن كان داود وسليمان قد حكما في دولتهما بما أنزل الله فترة من الزمن، فقد كانت حكومة خاصة ببني إسرائيل وحدهم، وشريعة خاصة بهم وحدهم -بصرف النظر عما حدث فيها من تحريفات فيما بعد- ولم تكن دعوة مفتوحة للبشرية كافة، تتعلم منها كيف يطبق حكم الله في الأرض، وكيف تكون الأرض حين يحكمها منهج الله!

أما النصارى فإنهم حين أقاموا دولتهم في القرن الرابع الميلادي كانوا قد حرفوا دينهم، وفصلوا العقيدة عن الشريعة، فلم يحكموا بما أنزل الله، وإنما بأهواء البابوات الذين يحلون لهم ويحرمون من دون الله:

(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [1] .

ولكن الله قدر لدينه الخاتم شأنًا آخر ..

فبادئ ذي بدء كان اكتمال الدين بهذه الرسالة التي أنزلت على محمد -صلى الله عليه وسلم-:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [2] .

ثم إن هذا الدين نزل للبشرية كافة، وللزمن المقبل كافة .. فهو دعوة مفتوحة للناس كلهم، والناس كلهم مدعوون أن يدخلوا فيه ويصبحوا مسلمين.

وكان من تقدير الله -وهو المنعم الوهاب سبحانه- أن يطبق المنهج الرباني تطبيقًا كاملًا في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتحت إشرافه، ويتدرب عليه صحابته -رضوان الله عليهم- فيقيموا من بعده حكمًا إسلاميًا كاملًا، يعتبر امتدادًا لحكمه -صلى الله عليه وسلم-، ويقيض الله بذلك لهذا الدين تجربة واقعية كاملة، تظل رصيدًا للحكم الإسلامي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يرجع إليه المسلمون كلما أرادوا أن يقيموا حكم الله في الأرض ..

خصوصيات خص الله بها هذه الدعوة وهذه الأمة، داخلة كلها في قوله تعالى:

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... ) [3] .

وينبغي للدارس أن يتعرف على هذه الخصوصيات وهو يدرس تاريخ هذه الفترة بالذات ليتهيأ لاستقبال تاريخ أمة فريدة ليست كأي أمة في التاريخ! الأمة التي طبقت منهج الله أطول فترة أتيحت لأي أمة في التاريخ!

فترة صدر الإسلام هي الامتداد الواقعي لفترة البعثة النبوية، والامتداد الواقعي لتطبيق الإسلام في صورته المثالية في واقع البشرية.

إن هذه المثالية الواقعية في هذا الدين، والواقعية المثالية في تطبيق القرون المفضلة له .. لهي كذلك من خصوصيات هذا الدين، وخصوصيات الأمة التي قامت بتطبيقه.

يشير المستشرق الكندي المعاصر ولفرد كانتول سميث Wilfred antwell Smith في كتابه"الإسلام في التاريخ الحديث: Islam in Modern History"إلى هذه الخاصية في مقارنة يعقدها بين الإسلام والنصرانية، فيقول إن النصرانية أرجأت تحقيق ملكوت الرب (يعني نظامه المثالي) إلى الآخرة، على اعتبار أنه مستحيل التحقيق في الحياة الدنيا، لأن الإنسان خاطئ بطبعه، قاصر بطبعه، معوج بطبعه، فلا يمكن أن يستقيم. أما الإسلام فقد اعتبر تحقيق ملكوت الله هو مهمة الإنسان في الحياة الدنيا لا في الآخرة. ولذلك يسعى المسلمون دائمًا إلى محاولة تطبيقه، وإلى تقويم عجلة التاريخ كلما انحرفت عن الطريق، ولو ضحوا بأنفسهم في سبيل ذلك، ومن ثم فإن التضحية في الإسلام (يقصد الجهاد وإن لم يسمه باسمه!) له حصيلة إيجابية في واقع الأرض هي محاولة تقويم هذا الواقع وإصلاح ما اعوج منه، بينما التضحية في النصرانية ذات مفهوم سلبي، مؤداه أن يقف

(1) سورة التوبة: 31.

(2) سورة المائدة: 3.

(3) سورة آل عمران: 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت