الصفحة 54 من 142

وحتى هنا فإن السنة لم تتغير، سنة محاربة الجاهلية لدعوة لا إله إلا الله، إنما الذي جرت به مشيئة الله هو أن قوم يونس آمنوا، فلم يعودوا إذن جاهليين!

أما الجاهلية المصرة على الكفر فهي في حرب دائمة لا تفتر:

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) [1] .

حتى المهادنة والمسالمة من جانب الدعوة لا يقبلونها!

(وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) [2] .

إنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أنها دعوة الحق، ويعرفون في قرارة أنفسهم كذلك أنهم على الباطل ولو كابروا وأظهروا غير ذلك:

(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [3] .

ويعرفون فوق ذلك أن الحق متى استقر في قلوب فئة مؤمنة راسخة الإيمان فهو في طريقه إلى مزيد من القلوب، وهم في طريقهم إلى مزيد من الخسران. لذلك لا يمكن أبدًا أن يهادنوا الدعوة إلى الإسلام، ولو لم تتعرض لهم بكلمة واحدة، وطلبت المهادنة كما طلبها نبي الله شعيب!

ثم تكتمل السنة الربانية حين تثبت الفئة المؤمنة على الكيد المستمر، وعلى محاولة الفتنة، وعلى التعذيب والتشريد والاضطهاد، وكل وسائل الضغط والإرهاب .. تكتمل السنة الربانية فيتغير الوضع، ويحدث التمكين.

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [4] .

قدر الله لهذا الدين، الذي أرسل به رسوله الخاتم -صلى الله عليه وسلم- ليظهره على الدين كله:

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [5] .

قدّر الله له أن يكتمل من جميع جوانبه في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وحيًا من السماء وتطبيقًا واقعيًا في الأرض. فإذا كان موسى -عليه السلام- لم يشهد في حياته إقامة الدولة المسلمة في الأرض المقدسة بسبب تقاعس بني إسرائيل عن اقتحام المعركة، وقولهم لنبيهم: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [6] فإن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- لم تتقاعس عن اقتحام المعركة ضد كفار قريش وقالت لنبيها -صلى الله عليه وسلم: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون! وهكذا ثبتت الدولة في الأرض، ومكن الله لها في حياة نبيها -صلى الله عليه وسلم-، واستجابت الجزيرة كلها سلمًا أو حربًا، فوجدت القاعدة التي يتم الانطلاق منها لنشر الدعوة في فجاج الأرض ..

وإذا كان عيسى -عليه السلام- لم يقدر له أن ينشئ الدولة المسلمة ويرعاها في حياته، لأسباب قدرها الله ..

فقد قدر الله للنبي الخاتم -صلى الله عليه وسلم- أن يؤسس دولته بنفسه، ويرعاها على عينه.

(1) سورة إبراهيم: 13.

(2) سورة الأعراف: 87 - 88.

(3) سورة النمل: 14.

(4) سورة النور: 55.

(5) سورة الفتح: 28.

(6) سورة المائدة: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت