إن الذي وقع للمجتمع الأول لم يكن خروج ذلك المجتمع عن بشريته وتحوله إلى ملائكة! كلا! وما يكلفهم الإسلام ذلك! والرسول -صلى الله عليه وسلم- سيد البشر جميعًا- يوحى إليه أن يقول للمعاندين من كفار قريش: (سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا) [1] .
إنما ارتفع ذلك المجتمع إلى الذروة التي ارتفع إليها بأخذ مندوبات الإسلام وومستحباته كأنها تكليف واجب التطبيق، فتطوعوا بما لم يفرض عليهم، تقربًا إلى الله، وحبًا لرسوله -صلى الله عليه وسلم-. وكان اليوم الآخر حاضرًا على الدوام في قلوبهم، يعيشونه في كل خطرة فكر وخفقة قلب وحركة جسد، فيظلون يرتقون على مدارج الطاعة حتى يصلوا إلى ذلك المستوى الرفيع الذي وصفهم الله به:
( .. يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [2] .
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [3] .
ولكنهم بعد بشر! تمر عليهم لحظات ضعف أحيانًا، وتهتف بهم رغبات الأرض أحيانًا، ويميل بهم الهوى البشري أحيانًا، بل يقع بعضهم في الخطيئة أحيانًا .. ولكنهم سرعان ما يعودون .. وهذا الذي يميزهم:
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [4] .
وقد يكون من المناسب تربويًا بالنسبة للدارس الصغير في المراحل الأولى أن نعطيه الصورة البيضاء اللامعة، لأنه -فطريًا- في مرحلة الإعجاب بالبطولة والإعجاب بالنموذج الفذ، فيكون إبراز النموذج الفذ أفعل في تربيته على الفضائل المطلوب تربيته عليها. ولكن الدارس الكبير، والقارئ الناضج يجب أن يكون على بينة كاملة من بشرية ذلك المجتمع، على الرغم من كل النماذج الفريدة التي برزت فيه.
وحين نفرغ من دراسة المجتمع المسلم في المدينة على هذا النحو الذي يبرز التطابق الكامل بين الإسلام في مفاهيمه ومبادئه، والإسلام في صورته التطبيقية، مع إبراز بشرية ذلك المجتمع في الوقت ذاته، وحدوث الأخطاء البشرية الطبيعية فيه، وتوجيهات القرآن والسنة لتصحيحها أولًا بأول، ننتقل إلى موضوع آخر من موضوعات تلك الفترة، وهو الصراع الذي دار بين هذا المجتمع المسلم وبين الجاهلية في بقية الجزيرة العربية، والذي يُدْرس عادة تحت عنوان"الغزوات".
وقد كتب كلام طيب كثير في وصف هذه المواقع، يرجع السبب الأول في نقائه وسلامته إلى أنه مأخوذ من كتب السيرة، ومن المصادر الإسلامية الأصيلة، لا من مراجع المستشرقين! ولن نضيف إليه إلا إضافة واحدة لها دلالتها الخاصة في دراستنا الهادفة.
قلنا من قبل إن موقف الجاهلية من دعوة لا إله إلا الله لم يكن مسألة شخصية ولا فردية. إنما هي ظاهرة بشرية متكررة حيثما وجدت جاهلية ووجدت دعوة للا إله إلا الله في أي مكان في الأرض وفي أي زمان في التاريخ.
والصراع الذي دار بين الدولة المسلمة في المدينة وبين قريش وبقية القبائل العربية إنما هو تحقيق هذه الظاهرة، وكان لا بد أن يحدث لأنه سنة حتمية من سنن الله في الأرض، في الصراع بين الحق والباطل.
لا تدع الجاهلية دعوة الله تتمكن في الأرض وهي قادرة على خنقها وإبادتها! لم يحدث ذلك في التاريخ كله، ولا يمكن أن يحدث إلا أن يشاء الله ذلك:
(فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) [5] .
(1) سورة الإسراء: 93.
(2) سورة آل عمران: 191.
(3) سورة فصلت: 30.
(4) سورة آل عمران: 135 - 136.
(5) سورة يونس: 98.