الصفحة 52 من 142

وإبراز السنة الإلهية في هزيمة أحد وحنين لا يقل أهمية عن إبرازها في النصر في وقعة بدر ووقعة الأحزاب وغيرها من الوقائع. فالدروس الإيمانية المستفادة من الهزيمة كالدروس الإيمانية المستفادة من وقائع النصر سواء بسواء، كلها دروس تربوية بمقدار ما تعرف المسلم بالسنن الربانية، وبمقدار ما تربط قلبه بالله. وحين تعرف الأمة المسلمة بأي شيء تحرز النصر، وبأي شيء تقع لها الهزيمة، تكون قد خطت خطوات على الطريق.

لذلك ينبغي أن يكون مرجعنا في دراسة تلك الفترة القرآن، وكتب السيرة، وليس كتب التاريخ وحدها. فالقرآن هو الذي يبين عبرة الحديث ونتائجه، وحكمة الله من تقديره، وهو الذي يعطي الدرس التربوي المقصود. وحين يعيش الدارس لهذه الفترة مع القرآن والسيرة النبوية وسير الصحابة رضوان الله عليهم، فلن يعود تاريخ تلك الفترة في حسه مجرد أحداث ووقائع .. في سنة كذا حدث كذا .. إنما يصبح شيئًا حيًا تتنامى معه مشاعره الإيمانية ووعيه الإيماني، وعيه بالسنن الربانية وكيفية فعلها في واقع البشر، ووعيه بحركة تلك الجماعة المؤمنة التي كتبت التاريخ: كيف كان رسوخ الإيمان في قلوبها وكيف يكون الثقل الواقعي للإيمان حين يرسخ في القلوب.

وينبغي أن نبرز من ملامح ذلك المجتمع تلك الأخوة العميقة في الله، التي جمعت بين الأوس والخزرج، بعدما عاشتا سنينًا متطاولة في حرب لا تفتر، والتي منّ الله بها على رسوله -صلى الله عليه وسلم-:

( .. هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [1] .

وجمعت كذلك بين المهاجرين والأنصار في تلك الصورة الفريدة الخالدة في التاريخ، التي يتقاسم فيها الأنصار كل ما يملكون مع المهاجرين، والتي تصل إلى هذه الذروة التي جاء وصفها في كتاب الله:

(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [2] .

كذلك الالتزام العجيب بما أنزل الله، إلى حد التوقف الكامل عن التصرف في الأمر حتى ينزل الله بيانًا فيه، أو سؤال الرسول -صلى الله عليه وسلم- عنه، كما ورد في الآيات المبدوءة بقوله تعالى:"يسألونك"أو"يستفتونك"ثم المسارعة بالتنفيذ دون تلكؤ حين يتنزل الأمر الرباني، أو يصدر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمره. كما حدث حين نزل تحريم الخمر إذ أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مناديًا ينادي في طرقات المدينة: أيها الناس! ألا إن الخمر قد حرمت! فمن كان في بيته دنّ خمر أراقه، ومن كان في فمه شربة خمر أراقها! حتى ظلت المدينة أيامًا تفوح الخمر في طرقاتها! قارن ذلك بما تبذله المجتمعات"الراقية!"اليوم في مكافحة الإدمان .. والنسبة آخذة في الازدياد! وكما حدث من النساء المؤمنات حين نزلت آية الحجاب، إذ تصف عائشة رضي الله عنها مسارعتهن إلى تنفيذ أمر الله:"والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا بالكتاب ولا إيمانًا بالتنزيل. لقد نزلت سورة النور (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها، فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رءوسهن الغربان" [3] .

إن مجتمع المدينة هو الصورة المثالية للمجتمع المسلم، وهو كذلك التطبيق المثالي للإسلام. ومن ثم ينبغي لنا في أثناء دراسته أن نقوم بشيئين في آن واحد، كل منهما يخدم الآخر: أن ندرس ذلك المجتمع من خلال مبادئ الإسلام، وندرس الإسلام من خلال التطبيق الواقعي في ذلك المجتمع .. فهما صورتان متطابقتان.

على أننا لا ينبغي أن تأخذنا مثالية ذلك المجتمع فنقع في غلطة تصويره في صورة غير بشرية! فذلك -فوق مجانبته للحقيقة العلمية التاريخية- أمر ضار لا ينفع! أوأقرب الضرر منه هو صرف الهمة ابتداء عن محاولة الوصول إلى مثل ذلك المجتمع أو قريب منه، على أساس أنه مجتمع فاق مستوى البشر، ونحن إن نحن إلا بشر! وبذلك نكون قد دمرنا أهدافنا بأيدينا من حيث ظننا أننا نخدم تلك الأهداف!

إنه مجتمع فذ، نعم! ولكنه مجتمع بشري، فيه كل خصائص البشر، وفيه أيضًا ضعف البشر وأخطاؤهم وسقطاتهم:"كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" [4] .

(1) سورة الأنفال: 62 - 63.

(2) سورة الحشر: 9.

(3) رواه الحافظ عن ابن أبي حاتم.

(4) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت