جعلت اللقاء مع العدو في المعركة ممكنًا كذلك. وكان ثبات المؤمنين في مكة وصبرهم -مع عدم الرد- أكبر مقنع لهؤلاء الأنصار أن الذي يصبر عليه أولئك المؤمنون ليس قضية شخصية -فما يصبر الناس كل هذا الصبر على قضية شخصية! - وأنه لا بد أن يكون حقًا- فما يصبر الناس كل هذا الصبر على باطل! - وأنه مسألة أعلى وأغلى من الأشخاص في ذواتهم، فإنهم يضحون بأنفسهم ولا يضحون بعقيدتهم تلك!
وهؤلاء الأنصار أنفسهم لم يكونوا مجرد"جماهير"متحمسة للقضية بواجدانها! إنما كانوا قومًا آمنوا فجندوا أنفسهم للقضية التي آمنوا بها. وفرق -من جميع الوجوه- بين التحمس بالوجدان وبين تجنيد الإنسان نفسه للعقيدة التي يؤمن بها. ذلك يتمنى النصر من بعيد وهو قاعد، وهذا يقدم نفسه رخيصة حين يدعو الداعي إلى الجهاد. سألهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عما يقدمونه للدين الجديد فقالوا: نقدم أنفسنا! لو خضت بنا البحر خضناه، ولو استعرضت بها الصحراء قطعناها معك! وكانوا صادقين! وهؤلاء هم"الأنصار"الذين تعتز بهم الدعوة، لا مجرد الحماسة الوجدانية التي تجيء في لحظة، وتذهب كذلك في لحظة حين يقع البأس أو يقع اليأس!
وحين تستبين سبيل المجرمين تقع المعركة وقد حدد كل من الفريقين موقفه بلا غبش في الرؤية، ولا غبش في النية ولا في الوجهة: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) [1] كما قال رب العالمين.
وعندئذ تتحقق سنة من سنن الله: أن تتغلب الفئة القليلة المؤمنة على أضعافها من الفئة الكافرة، ويدخل كثير من"المتفرجين"في صف الإيمان!
إذا فرغنا من هذا الدرس ننتقل إلى المرحلة المدنية من بعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مرحلة قيام المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، بعد أن تكونت الجماعة المسلمة في مكة.
والكتابات الموجودة عن هذه المرحلة وافية في مجموعها، وإن كان لا بأس من بعض إضافات أو توجيهات.
ينبغي أن نتتبع نمو المجتمع المسلم في المدينة على أنه الانبثاق المباشر للإسلام، والثمرة المباشرة للتربية الإسلامية، بما يتنزل من عند الله من التشريعات والتنظيمات والتوجيهات المواكبة لنمو المجتمع وملابساته المتجددة، وبما يصدر عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أوامر ونواه وتوجيهات ومواعظ، إلى جانب التربية بالأحداث بجميع أنواعها، سواء أحداث النصر كما في وقعة بدر الكبرى، أو أحداث الهزيمة كما وقع في أحد، وفي حنين في بداية المعركة، أو أحداث الزلزلة كما وقع في وقعة الأحزاب، وفي حديث الإفك، أو المخالفات التي وقعت من بعض المؤمنين كالثلاثة الذين خلفوا في وقعة العسرة، أو أحداث الكيد اليهودي المستمر في المدينة لحين إجلائهم عنها. وكلها دروس تربوية في ذات الوقت الذي هي فيه جزء من التاريخ. فواجبنا ونحن نكتبها للتاريخ أن نكتبها للعبرة كذلك، فدرس التاريخ درس تربوي كما أشرنا من قبل. ولن تظهر العبرة إذا درسنا هذه الأحداث على أنها أحداث مفردة قائمة بذاتها حدثت في فترة البعثة النبوية -وهذا هو الغالب في كتاباتنا للطلاب بصفة خاصة- إنما تظهر العبرة حين ندرسها على أنها سنن ربانية يمكن أن تتكرر كلما تكررت ظروفها.
يقول تعالى في شأن غزوة بدر:
(قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ) [2] .
ولا تكون هناك عبرة إذا كانت وقعة بدر حادثًا مفردًا قائمًا بذاته، غير قابل للتكرار بصورة من الصور. إنما العبرة فيه -كما هي مذكورة في الآية- أن الله يؤيد بنصره من يقاتل في سبيل الله مخلصًا متجردًا كما كان المسلمون في بدر، فينصر الفئة القليلة المؤمنة على أضعافها من الكافرين، ويمكّن للحق حين يكون في الأرض جنود يستحقون هذا التمكين في الميزان الرباني:
(الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ) [3] .
فلم يكن النصر في بدر إذن حادثًا فرديًا، إنما كان سنة. سنة قابلة للتكرار، وإن لم يكن بنفس الصورة التي وقعت في بدر. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نأخذه من هذه الواقعة التاريخية. أما دراستها كواقعة مفردة -مهما اجتهدنا في إبراز البطولات الفذة التي حدثت، وتصوير روعة المعركة، وهي روعة فائقة الحد -دراستها كواقعة مفردة يبطل مفعولها، لأنه يحولها من سنة متكررة إلى حادثة فريدة غير قابلة للتكرار، فيضيع رصيدها المذخور للأمة المسلمة في تاريخها المقبل كله، وتضيع قوتها الدافعة لأي جيل من أجيال المسلمين يريد أن يستأنف الطريق!
(1) سورة الأنفال: 42.
(2) سورة آل عمران: 13.
(3) سورة الحج: 41.