(وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ) [1] .
(فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [2] .
(فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ، أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ) [3] .
فتجرد قلبه خالصًا لله سبحانه وتعالى، وربّى على هذا التجرد أصحابه -رضوان الله عليهم-، حتى خلت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولم يعد يشغلهم حتى أن يتم التمكين في الأرض على أيديهم، وسلموا أمرهم كله لله .. فلما علم سبحانه من قلوبهم أنها تجردت له، وأسلمت له قيادها، مكّن لهم بالهجرة إلى المدينة، بعد أن وجدت النواة التي أخرجت فيما بعد"خير أمة أخرجت للناس".
ولا يفوتنا أن نقف وقفة في هذا الدرس عند الأمر الرباني للمؤمنين في مكة أن يكفوا أيديهم، ولا يردوا على عدوان قريش.
إن لهذا الأمر حكمًا كثيرة، نستنبطها اجتهادًا، لأنها لم تذكر صريحة في آيات القرآن ولا أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد يكون من بينها أن المؤمنين كانوا في مكة عددًا ضئيلًا بانسبة لقوة قريش الباطشة، فلم يكن من الحكمة أن يدخلوا في معركة غير متكافئة يمكن أن يقضى عليهم فيها دون أن تستفيد الدعوة الناشئة شيئًا من هذه المعركة. وقد يكون من بينها تصفية قلوب هذه الفئة المؤمنة من طبيعة كانت غالبة على العرب في الجاهلية هي"إباء الضيم"بمعنى القتال من أجل الكراحة الشخصية أو كرامة القبيلة، ولكن دون اعتبار لأي معنى أو قيمة من القيم تتجاوز الفرد والقبيلة، وهي طبيعة إن كانت لها دوافعها في البيئة العربية الجاهلية فإنها لا تصلح لحمل الدعوة، التي يراد تربية جنودها على التجرد الكامل مما يتعلق بأشخاصهم أو ذوي قرباهم، ليكون انفعالهم لله، وتحركهم لله، وقتالهم لله، ولا يكون لأشخاصهم الثقل في الأمر.
وقد تكون هناك حكم أخرى كثيرة غير ذلك.
غير أنه يلفت نظرنا من بين الآيات القرآنية التي تنزلت ما بين الأمر بكف الأيدي والإذن بالقتال [4] ، هذه الآية:
(وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [5] .
تلفت نظرنا حكمة معينة في كف أيدي المؤمنين عن القتال في تلك الفترة، وهي أنه لا يد أن تستبين سبيل المجرمين قبل الدخول في معركة مع أعداء لا إله إلا الله.
ولنتصور أن المؤمنين دخلوا المعركة مع قريش في مكة، قبل أن يتبين الناس حقيقة المعركة، وأنها معركة لا إله إلا الله مع الطاغوت .. معركة من أجل إزالة الآلهة الزائفة وتعبيد الناس لربهم الحق، وتخليصهم من العبودية لغير الله .. فما الصورة التي كان يمكن أن يأخذها الناس عن تلك المعركة؟
ستكون الصورة أنها معركة داخلية بين بعض الأفراد الخارجين على"النظام"، الخارجين على أهليهم وذويهم وأولي الأمر فيهم، وبين"السلطة الشرعية"التي تقوم بتأديبهم لتستتب الأمور على الوضع الذي كانت عليه قبل ظهور أولئك المشاغبين الناشزين الذين خرجوا على كل عرف مألوف. ثم تنقلب المعركة -إن طالت- إلى ضارب ومضروب، وغالب ومغلوب، يتحدث الناس بأخبارهم ما بين شامت أو ناقم أو متعاطف أو متفرج من بعيد!
فهل كانت الدعوة تفيد شيئًا من المعركة على هذه الصورة؟
أما حين تتضح القضية .. حين تستبين سبيل المجرمين، بعد فترة من"تفصيل الآيات"في جو خال من غبش المعركة، لا يدخل فيه المؤمنون إلا رموزًا للعقيدة الحقة والمنهج الصحيح، فعندئذ تتغير النتائج كثيرًا بالنسبة للدعوة، وتتحقق سنن ربانية كثيرة. فقد رأينا أن الصبر العجيب الذي صبره المؤمنون على الاضطهاد والتعذيب والمحاصرة والتجويع -دون أن يردوا- كانت له آثاره في جلب مدد جديد للدعوة، وتوسيع القاعدة المؤمنة، إذ جاء الأنصار من المدينة، وقد آمنوا على ضوء اللهب الذي يصلاه المؤمنون في مكة، فكانت منهم القوة التي جعلت الهجرة إلى المدينة ممكنة وفعالة، والتي
(1) سورة الرعد: 40.
(2) سورة غافر: 77.
(3) سورة الزخرف: 41 - 42.
(4) قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [سورة الحج: 39] .
(5) سورة الأنعام: 55.