الصفحة 49 من 142

ولكي تؤدي لا إله إلا الله وظيفتها تلك في النفس البشرية والواقع البشري، فلا بد أن تأخذ مسارها في القلب البشري حتى أعماقه، بحيث يصفو لها ويَخْلُص، وتنتفي منه الأوشاب التي تعكر الصفو، والأدران التي تحول دون الخلوص ..

وتلك كانت التربية التي قام بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في دار الأرقم، والتي أخرجت ذلك الجيل الفريد، الذي لم يتكرر بصورته تلك في التاريخ.

إنها مهمة شاقة، وبطيئة في ذات الوقت .. فالنفس لا تخلص من هواتفها ورغباتها وشهواتها وتطلعاتها بين يوم وليلة. وليس المطلوب على أي حال أن تكبت هذه الرغبات والشهوات. فالكبت ليس هو طريق التربية في الإسلام. وليس هو الطريق الذي يؤدي إلى رفعة النفس وانطلاقها للبناء. إنما هو الانضباط بالضوابط الربانية، وتوجيه الطاقة كلها لله، بحيث تصبح المشاعر لله، والأفكار لله، والأعمال لله .. فيصبح الإنسان"عبدًا ربانيًا"كما سماه الله.

جهد مجهد .. يحتاج من المربي إلى عظمة روحه، وسعة صدره، وطول صبره، وكل حبه، وكل رعايته .. وكل ذلك أعطاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من نفسه على أعلى مستوى عرفه التاريخ.

وإذ كنت نتحدث هنا عن التاريخ الإسلامي لا عن التربية الإسلامية -رغم تشابكهما- فلا نستطيع هنا أن نتوسع في الحديث عن منهج التربية الذي ربى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، إنما نشير مجرد إشارات [1] :

تحدثنا كتب السيرة أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كان كل منهم يظن أنه هو الأثير عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-! وتلك قمة في التربية لا يبلغها كل مرب ولو اجتهد في ذلك! ولكنها كانت من العطاء الذي تفيض به نفس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه. بل إن تسميته -صلى الله عليه وسلم- لتلاميذه وحوارييه بأنهم"أصحابه"لهي ذاتها لفئة تربوية عالية، تبث الثقة في نفوسهم، وتبعث فيهم الحرص على أن يكونوا على المستوى الذي يستحق هذا اللقب العزيز، فالصاحب ند ورفيق، وهنيئًا لهم -وهم"اتباع"رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن يرتفعوا إلى مرتبة"الصاحب"و"الرفيق"!

ونتعلم من كتاب الله ومن كتب السيرة كيف كانت تلك النفوس تُوجَّه إلى الله، تذكره آناء الليل وأطراف النهار:

(فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) [2] .

والرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلمهم الدعاء الذي يدعون به الله حين يصبحون وحين يمسون، وحين تطلع الشمس وحين يجن الليل، وحين يضعون جنوبهم للنوم وحين يستيقظون، وحين يرون الهلال، وحين يرون النبتة النابتة وحين يرون الطير وحين يرون السحاب المسخر بين السماء والأرض، وحين ينزل المطر وترتوي الأرض، وحين يشربون جرعة الماء، وحين يأكلون لقمة الخبز، وحين يبسط لهم الله في الرزق أو يقدر عليهم .. وحين .. وحين .. وحين .. فيصل بهم إلى أن يصبحوا كما وصفهم الله: (يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ) [3] .

وعلى يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي صحبته الكريمة تعلموا"الأخوة"التي ميزت المؤمنين بهذا الدين، يبدؤها بنفسه -صلى الله عليه وسلم-، فيعطي"الأخوة"لكل واحد من أصحابه، فيتعلمون كيف يحب كل واحد منهم"أخاه"ويعطيه من نفسه كما يعطي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من نفسه لكل واحد منهم.

وفي المحنة -محنة التمحيص- تعلموا كيف ينظرون إلى متاع الأرض في حجمه الحقيقي، لا حجمه الضخم الذي يبدو به حين يخلد الإنسان إلى الأرض ويلصق بالطين! وكان القائد الرائد عليه الصلاة والسلام هو النموذج الواقعي الذي يتربون على هديه، ويتعلمون بالأسوة فيه كيف يصبرون على الجوع، ويصبرون على الأذى، ويصبرون على الألم، ويصبرون على الاضطهاد والصد .. ويتوجهون بصبرهم كله إلى الله، ويتطلون إليه وحده أن يخلصهم مما هم فيه من البلاء.

ولنلحظ أن الرسول نفسه -صلى الله عليه وسلم- لم يتلق وعدًا واحدًا في فترة التربية بمكة بأن يرى النصر والتمكين بشخصه في الحياة الدنيا. إنما كان الوعد الرباني يتنزل بالتمكين لهذا الدين، والقضاء على الكافرين. أما ما يتعلق بشخص الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد كان يتنزل عليه أمثال هذه الآيات:

(1) انظر بالتفصيل إن شئت كتاب"منهج التربية الإسلامية"بجزئيه.

(2) سورة الروم: 17 - 18.

(3) سورة آل عمران: 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت