الصفحة 48 من 142

كان أمامه أن يكون زعيمًا سياسيًا يوحد الجزيرة تحت قيادته ..

وحقيقة إن هذا أمر كان صعب المنال بالنظر إلى النزاعات القبلية الطاحنة التي كانت تأكل العرب بثاراتها المتأصلة، التي منعت تجمع هذه القبائل في شكل أمة ردحًا من الزمن لا يعلمه إلا الله، برغم وجود كل عوامل التجمع التي يقول علم الاجتماع الجاهلي إنها هي التي تنشئ"الأمة": وحدة الأرض، ووحدة اللغة، ووحدة الجنس، ووحدة المعتقدات، ووحدة التراث، ووحدة الثقافة، ووحدة اللغة، ووحدة الجنس، ووحدة المعتقدات، ووحدة التراث، ووحدة الثقافة، ووحدة الاهتمامات .. إلخ. ولكن شخصية محمد -صلى الله عليه وسلم- كانت من العظمة بحيث يمكن أن يخطر في بعض العقول أنه مستطيع أن يوحد بعض القبائل على الأقل، إن لم يكن كلها، ويجعل منها نواة يجبر بها بقية القبائل على الاتحاد! [1]

وكان أمامه أن يكون زعيمًا قوميًا يقود العرب لاسترداد سيادتهم على الأماكن التي يحتلها الفرس والروم من الجزيرة، بعد خلع"العملاء"الذي يمكّنون للفرس والروم في الأرض العربية مقابل المصالح المتبادلة بينهم وبين الدولتين"الامبرياليتين"اللتين كانتا سيدتي العالم في ذلك الحين، ومن ثم يدعو إلى الوحدة"القومية"فيستجاب له!

وكان أمامه أن يكون زعيمًا اجتماعيًا يناضل لإنصاف الفقراء من جور الأغنياء الذين يطحنونهم طحنًا، ويأكلون جهدهم، ويغرقون في الترف الفاجر بينما الفقراء لا يجدون ما يقيم أودهم .. وكان قمينا حين تنجح"الثورة"أن يجعل من أولئك الفقراء جيشًا يستخدمه في توحيد الجزيرة، وفي إقامة لون من العدل غريب على الأرض، وتقدمي في الوقت ذاته!

وكان أمامه أن يكون زعيمًا أخلاقيًا يدعو العب إلى تطهير أرواحهم من الدنس الذي يعيشون فيه: الخمر والميسر والفواحش، والوقت الضائع الذي ينفق في غير شيء نافع، ويهبط بأصحابه إلى درك من الضياع والتشتت لا يليق بالآدميين. ثم يجمّع الطاقات المتطهرة التي استجابت للدعوة، فيجعل منها قوة بناءة، ترتفع"بالوطن العربي"إلى مستوى يجبر جيرانه على احترامه، بدلًا من نظردة الازدراء الشديد التي ينظر بها كل من الفرس والروم إلى العرب، ويستنكفون أن يتعاملوا معهم معاملة الأنداد!

وربما كانت هناك بدائل أخرى!

ولكن محمدًا النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعل شيئًا من أولئك جميعًا .. إنما وجهه ربه الحيكم الخبير أن يقول للناس: لا إله إلا اله. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ..

وعلم الحكيم الخبير أنه من هذا المنطلق وحده تخرج خير أمة أخرجت للناس.

وعلم الحكيم الخبير كذلك أنه من هذا المنطق وحده تتحقق كل الأهداف الأخرى التي تسعى إليها الزعامات البشرية المتفرقة .. تتحقق جميعًا .. وتتحقق على المستوى الأعلى .. مستوى"الإنسان"!

وعِلْمُ الله هو العلم الحق، الذي ينبغي للبشر أن يخضعوا له علمهم، ولا يخالفوه:

(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [2] .

إن لا إله إلا الله هي الميلاد الجديد للإنسان.

إنها تعيد ترتيب الذرات في الكيان البشري، كما تعيد"المغنطة"ترتيب الذرات في قطعة الحديد، فتنشئ منها شيئًا جديدًا، له جاذبية، وله فاعلية، وفيه طاقة تحرّك، وترفع، وتضيء.

وكل دعوة جزئية -في مجال من الحياة دون مجال، ومجال من النفس دون مجال- تحدث شيئًا من التغيير في الكيان البشري دون شك، وشيئًا من التغيير في الواقع البشري كذلك، ولكن يظل الاضطراب سائدًا في الحياة وفي النفس، لأن التغيير الجزئي لا يصلح الفساد كله، والترميم الجزئي لا يقوّم الانحراف الأصلي ..

والفساد الأصلي ينشأ من اتخاذ آلهة من دون الله، واتباع مناهج غير منهج الله. ومن ثم لا يصلحه إلا عبادة الله وحده دون شريك، واتباع منهجه وحده دون غيره من المناهج .. وهذه هي لا إله إلا الله!

(1) نقول هذا من باب الجدل فقط، وإلا فقد قال الله، وقوله الفصل: (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [سورة الأنفال: 63] .

(2) سورة الملك: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت