الصفحة 47 من 142

ثم ها هم أولاء يحبون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حبًا يدهش الجاهلية -ويغيظها- فتنطلق تعلن عجبها ودهشتها على لسان أبي سفيان:"ما رأيت أحدًا يحبه الناس كحب أصحاب محمد محمدًا".

وفيم الحب؟!

لقد كان الناس في الجاهلية يتحابون -في غير رباط الدم- على المصالح، وبقدر هذه المصالح! ولكنهم قط لم يكونوا يتحابون على احتمال الأذى والمغارم في النفس أو المال .. فهنا تظهر البغضاء الكامنة ويذوب الحب ويتلاشى!

فماذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يملك لهم في مكة، ولا حول له فيها ولا قوة، ولا ثروة ولا مال؟!

ما كانوا يتلقون -بحساب الأرض- إلا الأذى الواقع عليهم من المشركين والاضطهاد والتشريد والتعذيب جزاء تعلقهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك يحبونه هذا الحب الذي لا مثيل له فيما عهدوا من قبل من مشاعر الحب بين الناس كما يقول أبو سفيان. ولكنه سهل في نفوسهم وطبيعي. فهو حب للنبي المرسل من عند الله، الذي هداهم للا إله إلا الله.

عشرات من المشاعر العالية والآفاق الرحيبة وأنماط السلوك الفذة، تستحق الوقوف عندها من هذه الزاوية: أنها شيء مستحدث في هذه البيئة، التي لم تكن قد تغيرت ماديًا ولا اقتصاديًا في تلك الفترة. إنما كل ما تغير فيها هو العقيدة الجديدة التي عمرت هذه القلوب فغيرت كل شيء فيها، وأنشأتها خلقًا آخر ..

وهذه الوقفة لازمة لعدة أهداف ..

لازمة أولًا لبيان ما تصنعه العقيدة من تغيرات حاسمة في نفوس البشر حين تستولي على قلوبهم بصدق وإخلاص. وهذا البيان ضروري في عصر ينكر أثر العقيدة ويصغر من شأنها، لأنه يعيش بلا عقيدة فينكرها ولا يتذوق حقيقتها.

ولازمة ثانيًا في وجه التفسيرات الجاهلية للتاريخ، التي تفسر كل شيء بالبيئة أو بالطور الاقتصادي. وليس أدل على فساد تلك التفسيرات من حدوث هذا التغير الهائل في نفوس الناس، بلا تغير واحد في البيئة أو الطور الاقتصادي، إنما بتغير واحد في عقيدة القلوب.

ولازمة أخيرًا في وجه الدعاوي التي تقول إن الإسلام هو نتاج البيئة العربية وإفرازها! وإن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- زعيم"عربي"، لم يزد على أن جمع فضائل البيئة العربية، ووحد راية العرب فانطلقوا يصنعون الأعاجيب!

إن ما شهدته الجزيرة العربية كان ميلادًا جديدًا"للإنسان".. الإنسان كله على وجه الأرض، لا الإنسان العربي وحده. ميلادًا ليس من صنع البيثة، وما كان يمكن أن يكون .. إنما هو ميلاد من عند الله، يحدث للإنسان في أي زمان ومكان حين يؤمن بأنه لا إله إلا الله .. وتبقى بعد ذلك بعض الركائز العربية في الشخصية العربية المسلمة، ولكنها ليست بذاتها صاحبة السيطرة والتوجيه .. إنما صاحب السيطرة والتوجيه هو الإسلام .. الناشئ من الإيمان بلا إله إلا الله .. وهو جوهر فعال في كل نفس، عربية أو غير عربية. كما كان فعالًا في نفس صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، على أعلى مستوى بشري! وكما كان فعالًا فيما تلا ذلك من التاريخ الإسلامي في نفس صلاح الدين الكردي، وقطز المملوكي، ومحمد الفاتح التركي، وغيرهم من عظماء الإسلام!

وفي مكة -في فترة الاضطهاد- كانت دار الأرقم هي المدرسة التي تربى فيها المؤمنون.

ومما يؤسف له أن الأخبار لدينا قليلة عما كان يجري في دار الأرقم بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضوان الله عليهم، مع أن هذه الأخبار كانت قمينة أن تعطينا منهجًا كاملًا للتربية الإسلامية لا نحتاج معه إلى الاجتهاد!

كل ما نملكه هو أن نستنبط منهج التربية من القرآن أولًا، ومن السنة المطهرة ثانيًا، ثم من الحصيلة الفعلية في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم، فإن كل ما كانوا عليه من خصال وسمات هو الحصيلة الفعلية للترببية التي تلقوها من الرسول -صلى الله عليه وسلم- على هدى كتاب الله.

ونقول بادئ ذي بدء لو أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- كان"زعيمًا"بشريًا كما تريد الاتجاهات المنحرفة أن تصنع منه، فقد كانت أمامه عدة بدائل، كلها كان يمكن أن يعطيه"الزعامة"، وكلها كان يمكن أن يعطي"الأمة العربية"قدرًامن الخير، ودفعة إلى الأمام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت