الصفحة 46 من 142

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات: هل أنت مخلدي!

أو قول الشاعر:

وما زال تشرابي الخمر ولذتي ... وبذلي وانفاق طريفي وتالدي ...

إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبّد!

ثم جاء الإسلام وما تغير في هذه البيئة شيء! لا طبيعة البيئة المادية ولا أحوالها الاقتصادية .. إنما تغيرت النفوس .. وكان تغيرًا هائلًا هزّ قريشا نفسها وهي تضطهد المؤمنين وتعذبهم بكل ما في طوقها يومئذ من صنوف التعذيب!

لقد كان"الخلع"من القبيلة هو عقوبة الإعدام البطيء في هذه البيئة الصحراوية التي تقدس القبيلة وتجعلها محور ارتكاز الحياة كلها: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكانت أقسى عقوبة توجّه لفرد من الأفراد .. ثم ها هم أولاء أفراد من هذه القبائل يهدّدون بالطرد من القبيلة فلا يهز ذلك شعرة في رءوسهم! ويتلقون قرار الطرد باستخفاف كامل، يغيظ قبائلهم فما تدري كيف تفعل بهم! والمسألة في نفوس أولئك الأفراد غاية في البساطة: لقد خلعوا هذا"الرب"الذي كانوا يتعبدونه في الجاهلية، فما عاد له عليهم سلطان .. فقد آمنوا أنه لا إله إلا الله!

وكانت الحمية والأنفة وإباء الضيم من سمات الحياة العربية في الجاهلية، لا يحتمل العربي أن يلحق به أذى ويسكت عليه. وأبسط إجراء يفعله أن يجرد سيفه للقتال، ولا يعنيه أن يموت في المعركة. فذلك خير لديه من أن يقال عنه إنه سكت على الضيم، ويظل يعيّر بها بقية عمره، وتعيّر بها قبيلته! ثم ها هم أولاء أفراد يصيبهم الأذى الحسي والمعنوي، ثم لا يتحركون لرد الضيم، ولا تتحرك فيهم الحمية والأنفة، وهم في ذات البيئة، لأنهم ملتزمون بأمر ربهم:"كفوا أيديكم"مع صعوبة كف اليد على مثل هذه النفوس .. ولكنها -على صعوبتها- صارت ممكنة في نفوسهم. فإن الرب الذي كانوا يعبدونه في الجاهلية في صورة عرف الآباء والأجداد لم يعد له سيطرة في نفوسهم بعد أن آمنوا بلا إله إلا الله، ولم يبق إلا الشعور الفطري في كل نفس سوية بكراهية الذل، وقد كظموا ذلك الشعور بإرضاء الله.

ثم إنه لم يكن من موروثات هذه البيئة ولا من طبيعتها أن يحتمل الإنسان الأذى من أجل"قيمة"من القيم ..

حقًا لقد كان من موروثاتها أن يقدم الإنسان نفسه للموت في المعركة من أجل شرف القبيلة وكرامتها، وكان ذلك سهلًا على نفوسهم. أما أن يعيش في أذى من أجل مبدأ أو قيمة أو عقيدة، فقد كان شيئًا جديدًا كل الجدة على هذه البيئة، لا عهد لها به من قبل. ولذلك قابلته بأشد العجب -مع الغيظ! - وكان حديث"الملأ"في نداوتهم حين يتداولون الحديث في شأن هذه الفئة الخارجة عليهم، التي لا تستجيب لتهديد، ولا يثني عزمها إيذاء! ولقد كان هذا من أثر الإيمان بلا إله إلا الله في نفوس لم يكن يخطر في بالها من قبل أن تخوض مثل هذه التجرية على الإطلاق!

ثم لقد نبتت في هذه البيئة قيمة جديدة أخرى، غريبة عليها، ليست نابعة من طبيعة البيئة، بدليل أنها أثارت دهشة قريش وغيرها من القبائل الجاهلية، ثم ظلت تنمو مع المجتمع الإسلامي الوليد، حتى صارت موضع دهشة من العالم أجمع .. تلك هي"أخوّة العقيدة"..

لقد كان الرباط المعروف من قبل في هذه البيئة هو رباط الدم .. كل قبيلة وحدة متكاملة مترابطة كالحلقة المحكمة، يحمي بعضها بعضا، ويعول بعضها بعضا، ويتكافل بعضها مع بعض، ولكنها تقف موقف التحفز والعداء من الوحدات الأخرى المتكتلة مثلها في صورة قبائل، إلا أن يكون بينها تحالف موقوت على النصرة في الحرب [1] .. ثم ها هم أولاء أفراد لا تجمعهم قبيلة ولا عشيرة بل لا يجمع بينهم جنس ولا لون ولا لغة -ففيهم بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، مع عرب من قريش ومن غير قريش- ها هم أولاء يترابطون ويتكافلون، ويتكامل بعضهم في بعض بصورة لا مثيل لها في تلك البيئة. صورة مستغربة من كل من شاهدها أو سمع عنها، مع أنها في أنفسهم هم بسيطة كل البساطة، لأنها من أخلاقيات لا إله إلا الله، ومن ثمرات الإيمان بلا إله إلا الله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [2] إخوة في الله، يتحابون في الله بأشد مما يتحاب المترابطون برباط الدم في بيئة تقدس رباط الدم!

(1) كان حلف الفضول استثناء فريدًا في تلك البيئة، ومع ذلك لم يتسع لأفراد المؤمنين في مكة، ولا لبني هاشم حين وقفوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-! فهو يذكرنا بلجان"حقوق الإنسان"التابعة لهيئة الأمم! تستنكر أي عدوان يقع على جماعة من البشر في الأرض، إلا أن يكونوا مسلمين!

(2) سورة الحجرات: 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت