الصفحة 45 من 142

ولا يصدق هذا القطيع أن الدين الجديد جاء لتطهيره لا لحرمانه إلا بعد أن يتذوق حلاوة الإيمان بالفعل، ويتحرر وجدانه من كل العبوديات الزائفة التي كان غارقًا فيها، ومن بينها العبودية للشهوات!

أما قبل ذلك فإن هذه الشهوات الدنسة تقف حائلًا بينه وبين الاهتداء، إلى جانب التبعية للسادة والخوف من التنكيل.

إذا فرغنا من الحديث عن موقف الجاهلية من قضية لا إله إلا الله، فإن موقف المؤمنين من الاضطهاد والتعذيب يحتاج كذلك إلى إضافة وإن كان المكتوب فيه جيدًا على وجه العموم، ويبلغ درجة من الروعة أحيانًا، ذلك أن البطولة تستهوي النفوس دائمًا، فتتحدث عنها بحرارة وإعجاب ..

نريد فقط أن نضيف إلى الكتابات الموجودة بالفعل مقارنة بين هؤلاء الأشخاص أنفسهم في الجاهلية وبينهم حين صاروا مسلمين، لنبرز أثر الإسلام في نفوسهم.

وربما كان نموذج عمر -رضي الله عنه- متداولًا ومعروفًا بما فيه الكفاية، إذ الفرق شديد الوضوح بين حاله رضي الله عنه في الجاهلية، وحاله في الإسلام .. إنما الذي نريده أن نبرز كيف غيّر الإسلام ملامح الشخصية العربية ذاتها، بينما كانت ما تزال في بيئتها ذاتها التي شكلت هذه الشخصية من قبل.

إن علم الاجتماع الجاهلي يقول إن البيئة هي التي تشكل عادات الإنسان وأخلاقه وطريقة تفكيره واهتماماته وأنماط سلوكه. ويجيء التفسير المادي للتاريخ فيزيد القضية تحديدًا فيقول إن الطور الاقتصادي الذي يعيش فيه الإنسان هو الذي يشكل العادات والأفكار والأخلاق والسلوك والتنظيمات والمؤسسات. وكلاهما قد يكون صادقًا إلى حد كبير في تفسير أوضاع الناس في جاهليات التاريخ .. ولكن عيبهما أنهما يغفلان دور العقيدة في تشكيل حياة الإنسان. ومن ثم يفشلان في تفسير تاريخ الإسلام منذ آدم ونوح إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- .. إلى آخر التاريخ.

وما نقول إن الإسلام يلغي أثر البيئة بالكلية .. فليس ذلك من هم الإسلام. إنما نقول إنه على وجه التأكيد يقوّم انحرافات البيئة، ويجعل من الإنسان -في أية بيئة، وبصرف النظر عن البيئة-"إنسانًا صالحًا"ذا مواصفات خاصة يكتسبها من الإيمان بالله واليوم الآخر، سواء كان في السهل أو الجبل، في الصحراء أو في الأرض الزراعية، في الريف أو في المدينة. هذه المواصفات تكوّن الجوهر الحقيقي للشخصية، ولا يهم بعد ذلك في أي صورة خارجية يتلبس. أما حين يتخلى عن الإيمان بالله واليوم الآخر، ويخرج من كيانه ذلك العنصر الوضاء المشع، فهو عندئذ عبد للبيئة، تشكله بشكلها الخاص، باستواءاتها وانحرافاتها معًا بغير ضابط ولا دليل.

ولقد كان في البيئة العربية الجاهلية -كما في كل بيئة جاهلية- بعض الفضائل، ولكنها كانت منحرفة الوجهة بتأثير الجاهلية. فالكرم في أصله فضيلة. ولكن الجاهلية كانت قد حولته إلى شيء يبذل لكي تتحدث بذكره الركبان (أو"رئاء الناس"كما جاء وصفه في القرآن) والشجاعة في أصلها فضيلة. ولكن الجاهلية كانت قد حولتها إلى غارات سلب ونهب لا يتميز فيها الحق من الباطل (أو حمية جاهلية كما وصفت في القرآن) وكذلك التناصر والتكافل (انصر أخاط ظالمًا أو مظلومًا!) .

ثم كانت هذه رذائل شتى من أنواع متعددة، عبّر الشعر الجاهلي عن كثير منها، بعضها من طبيعة الجاهلية ذاتها حيثما كانت، وبعضها من خصائص الجاهلية العربية بالذات، وذلك كقول الشاعر:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدّم، ومن لا يظلم الناس يُظْلَم!

أو قول الشاعر:

إذا أنت لم تنفع فضرًا فإنما ... يُزجّى الفتى كما يضر وينفعا!

أو قول الشاعر:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد!

أو قول الشاعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت