بضوابط الشريعة. والمفروض في الفقه الإسلامي ألا يتوقف عن النمو ما دام في حياة الناس جديد. وكانت النتيجة -حين ضغطت الحوادث دون غطاء لها من الشريعة -أن فتحت ثغرة استغلها اليهود والنصارى المتربصون، فدسوا على السلاطين"قوانين"أو"تنظيمات"مستمدة من النظم الأوربية، على أساس أنها لا تخالف مقاصد الشريعة الإسلامية، فكان هذا هو المزلق الذي أدى في النهاية إلى إيجاد وهم خطير: أن الشريعة موكلة بما كان في الماضي، أما ما يجد فيطلب من النظم الأوربية! فسهل على العابثين بعد ذلك تقليص الشريعة في"قوانين الأحوال الشخصية"واستدراج الأمة إلى الانسلاخ منها تدريجيا، والحكم بغير ما أنزل الله!
تلك أهم عيوب الحكم العثماني وأهم مزاياه ..
وما بنا رغبة على الإطلاق في التقليل من هذه العيوب. بل إننا -كما قلت- حريصون على إبرازها والتركيز على دراستها، لنعلم من أي أُتيَ المسلمون، وكيف أصابهم ما أصابهم في العصر الحاضر.
ولكن إغفال الحسنات كلها إزاء هذه العيوب، أو الزعم بأن الحكم العثماني لم يكن إلا مساوئ فحسب، فإنه -فضلا عن مجافاته للحق الذي أمرنا الله باتباعه -مجاراة شائنة لما تريد منا الصليبية الصهيونية أن نقوله عن هذا الحكم، لننسى جريمتهم في إزالته، ولكي لا نسعى إلى إقامة الحكم الإسلامي من جديد ..
فلتكن دراستنا الهادفة واعية لهذا الأمر، ولنعمل جاهدين على إبراز الحق الصافي الذي لا تلونه الأهواء.
أما المجتمع الإسلامي في العهد العثماني فقد تأثر ولا شك بجميع انحرافاته، لأنه كان -بعد المرض الطويل في العصر العباسي خاصة- عرضة لأن يتأثر بالانحرافات أكثر من ذي قبل، لأنه كان قد فقد كثيرا من قدرته على إفراز"الأجسام المضادة"التي تقاوم الأمراض.
وكان أشد ما أصاب المجتمع الإسلامي من الانحراف تحول الدين تدريجيا إلى تقاليد تراعي إلى حد التقديس، ولكنها خاوية من الروح. فبناء مسجد يعتبر في نظر الناس صكا بدخول الجنة، ولو كان صاحبه قد جمع المال من السحت الحرام! وتقبيل الولد ليد أبيه وأمه هو العلامة على الأدب والصلاح، ولو كان الولد بعد ذلك يرتكب كل موبقة! والحجاب علامة على الحشمة ولو جرى تحت ستاره ما يجري في القصور وفي غير القصور.
كذلك تحول الدين إلى طرق صوفية ملأت أرجاء العالم الإسلامي بشكل ملحوظ، وعلى الرغم من نزعة التطهر في بعض أفرادها على الأقل، وكونها كانت نوعا من الرباط يربط أجزاء العالم الإسلامي، لانتشار كل طريقة في أكثر من قطر، إلا أنها بروحها السلبية عائق عن الحركة الحية في واقع الحياة، فضلا عن انحرافات العقيدة التي لا يتقبلها الإسلام.
وفي النهاية أصبح الدين مجموعة من الخرافات عن المشايخ والأولياء وأصحاب المقامات وأصحاب الكرامات، شغلت الناس عن حقيقة الدين الواعية، وكونه نظاما واقعيا يشمل كل الحياة، وشغلتهم عن اتخاذ الأسباب بالتطلع إلى خوارق العادات!
وهذا التحول الخطير في فهم الناس للدين وفي طريقة ممارستهم له، كان له أثره الخطير في تحول خط التاريخ الإسلام، برغم المد العسكري الذي قام به العثمانيون في أوربا وآسيا ..
وكان هذا في الحقيقة هو بدء الانحسار ..