الصفحة 101 من 142

والمراجع الأوروبية لا تشير بطبيعة الحال إلى قيمة التوحيد بالنسبة"للإنسان"، لأن أوروبا لم تعرف التوحيد في عقيدتها المزيفة التي صنعها لها بولس، وزعم أنها من وحي السماء، فلا يمكن بداهة أن تعترف بقيمة الشيء الذي فقدته، والذي رفضته ابتداء حين رفضت الدخول في الإسلام!

كما أن الجاهلية الأوروبية المعاصرة -لظروف طغيان الكنيسة التي أدت بأوروبا إلى التمرد على الدين- تبث في ثقافتها أن الدين شيء هامشي في حياة الإنسان، بل الأفضل التخلص منه من أجل التقدم والحرر والرقيّ!

ومن هنا فإن المسلم المعاصر الذي تأثر بالغزو الفكري، وصار يستمد تقويمه لنفسه من نظرة أوروبا إليه، لن يحس بالقيمة الحقيقية للتوحيد، وكونه أعظم هدية تُهْدى للناس، تهديهم إلى خير الدنيا والآخرة، وتضبط سلوكهم وفكرهم ومشاعرهم بالضوابط الصحيحة، فترفع الإنسان وتكرمه، وتضعه في وضعه اللائق به باعتباره"الخليفة"المكلف بعمارة الأرض.

من أجل ذلك فلا بد لنا من التركيز في دراستنا لفترة المد الإسلامي على حقيقة التوحيد، وبيان أثره الواقعي في حياة المسلمين، وفي صنع الحركة العلمية والحركة الحضارية التي استضاءت بها أوروبا فخرجت من الظلمات إلى النور.

وقد تحدثنا في الفصل السابق عن كلتا الحركتين، وانبثاقهما من العقيدة، ونموهما في ظلها بلا تعارض ولا خصام. ونريد هنا أن نركز على أثر هاتين الحركتين على أوروبا، وأن التوحيد الإسلامي -في صورته الحضارية التي هي جزء أصيل منه- هو الذي أثر هذا التأثير الهائل، الذي أيقظ أمة كانت غافية، متأخرة، جاهلة، غارقة في مظالم الإقطاع ومظالم الطغيان الكنسي، فأكسبها ما في حياتها اليوم من الخير. وأن رفض أوروبا للتوحيد ذاته -وإن تأثرت بصورته الحضارية التي هي إفراز أصيل منه- هو الذي أكسب أوروبا كل ما في حياتها اليوم من الشر!

يلزم هذا ليعرف الدارس القيمة الحقيقية للتوحيد التي تغشّى عليها اليوم في نظره جملة عوامل في وقت واحد، أشرنا آنفاُ إلى اثنتين منها، وهي إهمال المراجع الأوروبية لذكرها، وإصغار الجاهلية المعاصرة من شأن الدين كله وتنفير الناس منه بوصفه معطلًا عن الحياة والتقدم والتحرر. ونضيف أن واقع المسلمين اليوم هو كذلك من العوامل التي تغشّى على قيمة التوحيد، لأن المسلم المعاصر يعتقد أنه قائم بالتوحيد، ثم يرى نفسه وأمته في حضيض من التخلف العلمي والحضاري والفكري والأخلاقي والحربي والسياسي، فيغلب على حسه أن التوحيد أمر لا يقدم ولا يؤخر في واقع الحياة (إن لم يصل به الأمر إلى الاعتقاد بأنه من عوامل التأخر، كما توحي إليه أوروبا!) .

لذلك فإن معرفة التوحيد على حقيقته التي مارسها المسلمون بالفعل ردحًا من الزمن غير قصير، ومعرفة أن الأجيال المتأخرة من المسلمين قد انحرفت عن حقيقته وإن ظنت في نفسها الاستقامة عليه، ضروري لإدراك الإنجاز الحقيقي لهذه الأمة في وقت رفعتها.

كذلك كان تعميق الإيمان باليوم الآخر من أعظم ممارسات هذه الأمة، ومن أعظم ما أهدته للناس. إنه هو الذي جعل هذه الأمة تقدم ما تفردت به حركتها الحضارية من التوازن والشمول والترابط، إذ شملت مطالب الدنيا ومطالب الآخرة، كما شملت مطالب الجسد ومطالب الروح، ووحدت هذه وتلك في نسق واحد، وهو الذي يسر لهذه الأمة أخلاقها التي تخلقت بها فترة غير قصيرة من عمرها، فبقي المجتمع الإسلامي -كما أشرنا آنفًا- نظيفًا من الخمر، نظيفًا من الفاحشة، نظيفًا من الجريمة، بتأثير الخوف من عقاب الله، والطمع في جنته ورضاه.

ومن ثم فإن نشر الإسلام -الذي يحمل تلك المعاني وتلك الأخلاقيات -على نطاق واسع من الأرض، كان هو أعظم إنجازات هذه الأمة، وفاء بالمهمة التي أخرجها الله من أجلها، وتحقيقًا للكرامة التي كرّم الله بها"الإنسان".

والمسلم المعاصر -الذي ينظر إلى صورته في مرآة أوروبا -لن يجد بطبيعة الحال في المراجع الأوروبية أي صدى لهذا الإنجاز الضخم، بل سيجد على العكس من ذلك صدى معكوسًا يصور هذا الفتح الذي قامت به الأمة الإسلامية تنفيذًا لأمر الله، ومن أجل رفعة الإنسان، على أنه عدوان على أوروبا خاصة، يقابل بالضغينة والحقد، وتشوه صورته بكل سبيل!

لذلك كان من المهم ونحن نعيد كتابة التاريخ الإسلامي للمسلم المعاصر، أن ننبهه إلى هذه الحقائق، وأن نعرضها له في صورتها الحقيقية التي غابت عنه وهو ينظر إلى نفسه في مرآة الغرب!

فإذا أضفنا إلى ذلك التسامح الإنساني الرائع الذي عامل به المسلمون أهل البلاد المفتوحة الذين بقوا على دينهم ولم يدخلوا في الإسلام، فقد أضفنا إنجازًا آخر، قد يجد المسلم المعاصر له صدى في بعض كتابات المستشرقين ككتاب"الدعوة إلى الإسلام"للمستشرق"ت. و. آرنولد" ( The Preaching of Islam by T.W.Amold) ولكنه صدى خبيث برغم كل المديح الذي يكيله آرنولد للمسلمين في كتابه هذا، إذ يهدف به إلى صرف المسلمين عن الجهاد لنشر الدعوة، بدعوى أن الإسلام لا يحتاج لذلك الجهاد، ويكفيه الكلمة الطيبة والمعاملة الكريمة! [1] . ومهما يكن من أمر فهو إنجاز تفرد به المسلمون في التاريخ كله. ويجب أن يعرفه المسلم المعاصر، ويعرف قيمته في مواجهة المعاملة الوحشية التي عامل بها الاستعمار الأوروبي البلاد التي احتلها، وخاصة ما كان منها إسلاميًا (ويكفي نموذجًا لذلك العبيد الذين اختطفهم الأوروبيون من أفريقيا ليعملوا لهم في المزارع

(1) راجع"المستشرقون والإسلام"لتفصيل هذه القضية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت