الأمريكية، والمعاملة الوحشية التي عانوها، والتي تعترف بها المراجع الأوروبية ذاتها، والتي باركتها الكنيسة الأوروبية في حينها) أن الفارق بين ذلك التسامح وهذه الوحشية هو الفارق بين لب الحضارتين: الحضارة الربانية المصدر، والحضارة الجاهلية ..
فإذا جئنا إلى الحركة العلمية والحركة الحضارية فسيجد المسلم المعاصر بعض المنصفين من الكتاب الأوروبيين يعترفون بأثرهما على النهضة الأوروبية، من أمثال بريفولت في كتاب"بناء الإنسانية Making of Humanity"حيث يقول:
"ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد أوروبا إلى الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوروبية" [1] .
وسيجد كتابًا كثيرين يزعمون أن فضل المسلمين في هذا الأمر لا يتجاوز الاحتفاظ بالتراث الإغريقي الذي كانت أوروبا قد نسيته أو أهملته في قرونها الوسطى المظلمة، فاستردته عند نهضتها من المسلمين الذين حفظوه لها حتى تصحو وتسترده!
فيجب أن يعرف دارس التاريخ الإسلامي أن الأمر لم يكن كذلك. وأن الذي أخذته أوروبا من المسلمين لم يكن ذلك التراث الإغريقي، الذي فقد تأثيره من قبل في حياة أوروبا نفسها، إنما كان حضارة حية متكاملة من وحي الإسلام ومن صنعه، وإن استخدمت بعض الأدوان من هنا ومن هنالك. وأن أهم ما أخذته أوروبا من احتكاكها بالمسلمين كان هو إرادة الحياة، التي هيأت لها الاستفادة من الحضارة الإسلامية والعلم الإسلامي [2] . وأن تأثر أوروبا بالحضارة الإسلامية كان شاملًا بحيث يكاد لا يوجد جانب من جوانب الحياة الأوروبية لم يتأثر بها.
فحركات الإصلاح الديني التي تمردت على سلطان البابوية الطاغي كانت متأثرة بالإسلام ..
وحركات التمرد على سلطان الإقطاع الطاغي، الذي يجعل أمير الإقطاعية هو السلطة التشريعية وهو السلطة التنفيذية وهو السلطة القضائية في آن واحد، كانت متأثرة بالإسلام ..
ومحاولة التجمع في"أمة"ذات قانون موحد يحكم في جميع أرجائها بالسوية، ويخضع الناس فيه لنظام موحد كانت متأثرة بالأمة الإسلامية الموحدة، وإن كانت أوروبا لم تفلح في هذه المحاولة إلا في حدود القومية الضيقة، لا في حدود الأمة الموسعة.
وإنشاء حمام خاص بالمنزل كان تأثرًا بالمسلمين الذين لا تخلو بيوتهم من حمام يغتسلون فيه ويتوضئون، بينما كانت أوروبا لا تعرف إلا الحمامات العامة في وسط المدينة تغتسل فيها -إن اغتسلت! - وتنظف ملابسها. وحين قامت محاكم التفتيش في الأندلس تطارد المسلمين بوسائلها الوحشية للقضاء على الإسلام هناك، كان عثورهم على حمام في داخل المنزل علامة مؤكدة على أن صاحبه مسلم متخفّ، فيؤخذ على التو إلى التعذيب!
والنظام الجامعي الغربي مأخوذ من الجامعات الإسلامية بما فيه من ضرورة إشراف"الأستاذ"على"الطالب"حتى يتخرج على يديه، وتوجييه للمراجع التي يرجع إليها، ومناقشته فيما حصّل منها للاطمئنان على قدرته على التحصيل قبل إعطائه"الإجازة"التي تجيز له أن يبدأ في تعليم غيره، بل إن"الروب"الجامعي وغطاء الرأس المكمل له هما تقليد لعباءة الأستاذ المسلم وعمامته!
كما تأثر الأدب وتأثرت العمارة حتى عمارة الكنائس ذاتها إذ نقشت في بعضها -بغير علم- عبارات منقولة من المساجد الإسلامية!
وذلك كله فضلًا عن المنهج التجريبي في البحث العلمي وما أحدث في أوروبا من انقلاب كامل في طريقة التفكير.
وإذا كانت أوروبا تحاول أن تصغر من الأثر الإسلامي فيها مدفوعة بالغرور الأوروبي والحقد الصليبي، فالمؤرخ المسلم هو الذي تقع عليه مسئولية إظهار الحقيقة مقرونة بالدليل العلمي، لكي لا يكون الكلام دعوى بلا دليل. ولكي يعرف المسلم المعاصر الحجم الحقيقي لإنجازات الأمة المسلمة وقت تمسكها بالإسلام.
أما فترة الانحسار فيهمنا في دراستها عدة أمور.
الأمر الأول: هو الأسباب التي أدت إلى الانحسار، ومناقشة الأوهام التي يثيرها أعداء الإسلام في تفسير ذلك الانحسار.
(1) عن كتاب"تجديد الفكر الديني"تأليف محمد إقبال ترجمة عباس محمود ص250 من الترجمة العربية.
(2) راجع إن شئت"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر"فصل"الجاهلية المعاصرة".