والأمر الثاني: هو النتائج التي نتجت عن هذا الانحسار من إضعاف بنية الأمة من داخلها، ومجيء الغزو الصليبي من خارجها.
والأمر الثالث: هو الخسارة التي خسرتها البشرية من انحسار الأمة الإسلامية.
وكل واحد من هذه الأمور الثلاثة يحتاج إلى تفصيل.
من بين الأوهام التي تُبَثّ في تفسير الانحسار وهمان ينتهيان إلى نتيجة واحدة على بعد ما بينهما في الأصل والاتجاه. الأول أن سبب الانحسار هو تنامي القوة الأوروبية بما جعل المسلمين لا يقوون على مواجهتها. والثاني أن الإسلام كان حركة تقدمية بناءة بالنسبة لزمنه، وأن زمنه قد انتهى بفعل التطور الحتمي الذي نقل البشرية إلى طور جديد لم يستطع الإسلام مجاراته، بل أصبح الإسلام فيه عائقًا عن التطور، ومن ثم ذوى ومات .. بالحتمية التاريخية.
والتفسير الأول يصف حالة واقعة بالفعل. فقد تنامت القوة الأوروبية فعلًا في الوقت الذي أخذت القوة الإسلامية تتضاءل، فانتهى الأمر بغلبة القوة الأوروبية وتحطم القوة الإسلامية.
هذا صحيح .. ولكنه في الجانب الإسلامي نتيجة لأسباب أدت إليه، وليس سببًا في ذاته. ويظل السؤال قائمًا يحتاج إلى تفسير: لماذا أخذت القوة الإسلامية في التضاؤل؟!
إنه لا يكفي أن نقول إن أوروبا تقوت، فأخذت تناوش المسلمين، وتحاول الاستيلاء على التجارة العالمية بدلًا منهم، وتحاول احتلال البحر الأحمر لتقطع طريقهم التجاري، وتحاول الالتفاف حول العالم الإسلامي والنفاذ إلى النقط الضعيفة فيه .. إلخ .. إلخ ..
لا يكفي هذا لتفسير ما حدث من انحسار. فلم تكن هذه هي المرة الأولى التي يجابه فيها المسلمون قوى عالمية ضخمة .. فقد جابهوا الإمبراطورية الرومانية وقضوا على قوتها، كما قضوا على الإمبراطورية الفارسية. وجابهوا الحروب الصليبية وهم ضعاف فانهزموا أمامهم فترة ثم عادوا إلى القوة وسحقوا الصليبيين سحقًا. وجابهوا التتار وهم ضعاف فانهزموا أمامهم ثم عادوا فوقفوا وقفتهم الشهيرة في عين جالوت، ثم تغلبوا عليهم ودخلوا هم في دين الإسلام وأصبحوا من أقوى جنوده المدافعين عنه.
وإذن فتنامي قوة أوروبا -على أنه حقيقة في ذاته- لا يفسر ما حدث من انحسار الأمة الإسلامية عن الساحة.
أما التفسير الثاني فمتأثر كما هو واضح بالتفسير المادي للتاريخ، وإن لم يكن القائلون به بالضرورة شيوعيين أو ماركسيين، فالتفسير المادي يصدر عن غرب أوروبا كما يصدر عن شرقها، لأن قاعدة الحياة والتصور فيهما سواء!
ونقطة المغالطة فيه -أو نقطة الخطأ إن افترضنا حسن النية (!) - هي أخذ واقع المسلمين في الفترة الأخيرة شاهدًا على الإسلام ذاته، والزعم بأن هذا الواقع قد نشأ عن الإسلام! وليس -كما هي الحقيقة- نتيجة البعد عن الإسلام!
ويلتقي التفسيران في النهاية -على بعد ما بينهما في الأصل والاتجاه- إلى نتجة واحدة، هي أن ما حدث بالفعل كان لا بد أن يحدث، ولم يكن أمام المسلمين خيار آخر! وليس أمامهم إلا الاستسلام لحتميات التاريخ!
لذلك فإنه من المهم جدًا في دراسة تاريخ تلك الفترة الشرح المفصل لأسباب الانحسار.
ولقد تحدثت بشيء من التفصيل عن هذه الأسباب في كتاب"واقعنا المعاصر" [1] ، ولكن لا بد من إشارة مختصرة هنا في هذا العرض السريع، لتصحيح التصور عن هذا الحدث الهائل الذي اختلت به موازين القوى في الأرض ..
لقد أصاب الأمة -حكامها ومحكوميها- جملة أمراض استعرضنا فيما مضى أهمها، كما أصابتها فتن مزلزلة من الداخل وغارات مخربة من الخارج، لو تعرض لها أي نظام أرضي لتهاوى واندثر، كما اندثرت الإمبراطورية الرومانية تحت طرقات قبائل الهون والقوط المتبربرة وهي أهون بكثير من غارات التتار. وكما تهاوت الشيوعية في روسيا في وقتنا الحاضر تحت طرقات الجوع وهي ما تزال في مهدها وعنفوانها .. ولكن قيام النظام الإسلامي على العقيدة أساسًا قد أخر انهيار العالم الإسلامي قرونًا عدة وهو يتلقى الضربات ويعج بالانحرافات .. ولكنه في النهاية انهار ..
(1) راجع إن شئت فصل"خط الانحراف"من كتاب"واقعنا المعاصر".