الصفحة 104 من 142

إن الجسم الفاره القوة قد يحمل في طياته عدة أمراض فلا تقعده عن الحركة ولا تبدو آثارها عليه. ولكنها لا بد أن تؤثر فيه في النهاية إذا لم يتلق العلاج اللازم والعناية الواجبة.

وهكذا كان حال المجتمع الإسلامي .. قوة فارهة منشؤها هذه العقيدة وما ينبثق عنها من نظام. ثم وقعت الانحرافات فلم تؤثر في حركة ذلك المجتمع لعدة قرون. ثم جاءت لحظات بدا فيها كأنه يترنح -كما حدث في الحروب الصليبية وغارات التتار- ولكنه كان يستجمع قوته وينهض مرة أخرى كأنه معافى من الأمراض .. وفي النهاية، حين تراكمت الأمراض بغير علاج -أو على الأقل بغير علاج حاسم- هوى الجسم الذي كان فاره القوة، ووقد"الرجل المريض"ينتظر نهايته!

فلنتتبع أهم الأمراض التي أصابت المجتمع وأدت في النهاية إلى انهياره ..

إن التفلت من التكاليف طبع بشري:

(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [1] .

والعلاج الرباني لهذا التفلت هو التذكير:

(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [2] .

ومعنى استمرار التفلت أو زيادة نسبته أن التذكير لم يكن كافيًا، أو لم يكن من النوع المثمر. فإن التذكير لا يكون بالكلام وحده، وإنما بالقدوة الصالحة ..

وفي الوقت الذي كان التذكير فيه أقل من المطلوب، أو لم يكن معه من القدوة الصالحة ما يكفي، طرأ على الأمة تياران دخيلان يسيران في اتجاه مضاد لعملية التذكير، هما الفكر الإرجائي والصوفية.

فأما الفكر الإرجائي فيقول: إن الإيمان هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلًا في مسمى الإيمان! ويقول: لا يضر مع الإيمان معصية! ويقول: ما دام قلبك عامرًا بالإيمان فلا يهمك شيء! باختصار يُطْمِعُ العبد في دخول الجنة ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام!

وأما الصوفية فهي تطمع العبد في القرب من الله ودخول الجنة بالأوراد والأذكار والتسابيح، ولو أهمل كل الأعمال المطلوبة منه في واقع الأرض، من عمارة أو جهاد أو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.

ثم جاء الاستبداد السياسي فعمل تدريجيًا على صرف اهتمام الناس"بالسياسة"، وإخراجها في تصورهم من واجبات المسلم المفروضة عليه، وحصر الإسلام تدريجيًا في"العبادات".. أي في أداء الشعائر التعبدية فحسب ..

وكان من جراء تلك الانحرافات أن فسدت -تدريجيًا- في نفوس المسلمين مفاهيم الإسلام [3] ..

فأما مفهوم لا إله إلا الله فقد تحول من منهج حياة كامل إلى كلمة تقال بالأفواه لا رصيد لها من الواقع.

وأما مفهوم العبادة فقد تحول من معنى شامل يشمل كل أعمال الإنسان وكل أفكاره ومشاعره، فانحصر في الشعائر التعبدية وحدها، ثم انحسرت هذه فأصبحت في الأخير أداء آليًا بغير روح.

وأما مفهوم القضاء والقدر فتحول من قوة إيجابية دافعة إلى معنى سلبي مخذّل عن العمل، وتواكل سلبي مريض.

وأما مفهوم الدنيا والآخرة فقد انفك الترابط الذي أوجده الإسلام بينهما، وصارا عالمين منفصلين متقابلين، العمل لأحدهما يعني وقف العمل للآخر وإهماله.

وأما مفهوم الجهاد فقد انحصر فيما يسمى بالجهاد الدفاعي .. إن ساعدت الأحوال!

(1) سورة طه: 115.

(2) سورة الذاريات: 55.

(3) راجع إن شئت كتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت