الصفحة 105 من 142

وأما مفهوم التربية فقد انحصر في مجموعة من التقاليد المرعية، وأهملت التربية التي تخرج كيانًا"مسلمًا"بالمعنى الحقيقي، إيجابيًا نشيطًا فاعلًا متوازنًا عابدًا لله.

وأما مفهوم العلم فقد انحصر في"العلوم الشرعية"وحدها وأهملت العلوم الكونية التي كانت من أعظم مزايا المسلمين في فترة صعودهم وقوتهم.

فإذا أضيفت البدع والمعاصي، وأخرجت الأعمال من مقتضى الإيمان، وأخرجت الأخلاق من مقتضى العبادة، وانشغل الناس بالكرامات والخوارق لعجزهم عن مواجهة الواقع بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. فقد تكاملت للأمة أسباب السقوط في الهاوية ..

هذه هي الأسباب .. وليست تنامي قوة أوروبا، ولا تجاوز الإسلام دوره التاريخي!

لقد أدت هذه الأمراض إلى"التخلف".. وفي جميع الميادين .. في السياسة والحرب والعلم والحضارة والفكر والأخلاق .. وكان التخلف نتيجة البعد التدريجي عن حقيقة الإسلام.

أما الإسلام ذاته -ذلك النظام الرباني- فلا يتخلف أبدًا! إنما يتخلف البشر عن تحقيقه في واقعهم فيوصفون عندئذ بأنهم متخلفون .. ويظل الإسلام هو الإسلام.

وإدراك هذا الأمر هو على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للمسلم المعاصر بصفة خاصة.

لأن هذا المسلم المعاصر يظل يسمع من أعدائه وأصدقائه معًا أن مشكلة الأمة الإسلامية هي تخلفها .. ولكن في أي شيء؟! في الميدان الاقتصادي والعلمي والمادي والحربي والسياسي .. إلخ.

وما يقال في هذا الشأن حق .. ولكنه حق ناقص .. يحدث من الضرر أكثر مما يحدث من النفع، لأنه يخفي السبب الحقيقي لهذا التخلف، ويعطي تشخيصًا خاطئًا للمرض، فيعطي بالتالي وصفًا خاطئًا للعلاج.

هل التخلف من طبع هذه الأمة؟!

هل التخلف من طبيعة الإسلام؟!

كذلك أوحى الأعداء إلى المسلم المعاصر ليصرفوه عن منبع قوته الحقيقي، الذي يفزعون منه، ومن العودة إليه، ويوجهوه وجهة تستنفد جهوده، ولا تشفيه في الوقت ذاته مما هو فيه.

قالوا له: تعلم فأنت جاهل. طور اقتصادياتك فأنت فقير. اشتر أسلحة متطورة فأنت ضعيف. وحسِّن صحتك فأنت مريض. طور وسائل إعلامك فليست عندك سينما ولا مسرح ولا إذاعة ولا تليفزيون ولا موسيقى ولا فن ولا"فولكلور" [1] ! وهذه كلها من دلائل التقدم والتحضر .. وهمسوا في أذنه في أثناء ذلك كله:"أن أترك"الدين"فهو سبب جميع المصائب!"

وأخذ المسلم المعاصر بكل النصائح، ما هو منها جهر وما هو همس. ففتح المدارس والجامعات، وحاول أن يطور اقتصادياته، واشترى الأسلحة المتطورة، وعنى بصحته .. وأنشأ له سينما ومسرحًا وإذاعة وفنونًا فولكلورية وغير فولكلورية .. وانصرف في الوقت نفسه عن دينه .. وانسلخ من عمره اليوم أكثر من قرن في هذه التجربة"الحضارية".. فماذا كانت النتيجة؟!

فأما قشور الحضارة فقد أصبحت عنده بالفعل .. ازدعمت شوارعه بالسيارات، وازدحم بيته بالأدوات الكهربائية، وملأت أشرطة الأغاني والموسيقى وأشرطة الفيديو داره، وصار التليفزيون ينقل إليه حركة العالم، سواء كانت حركة جادة أو حركة لاهية عابثة مستهترة .. وصار عنده قشور من العلم، وكثير من ذوي الألقاب ..

ثم .. ؟

ثم ملأت حياته التبعية للغرب. التبعية الفكرية، والتبعية السياسية، والتبعية الاقتصادية .. حتى تبعية أدوات العبث والمجون. ولم يكتسب من الغرب جلده على العمل ومثابرته وجديته وعبقريته التنظيمية. ونظرته العلمية في حل مشاكله. ونظرته المستقبلية البعيدة. وانهارت عملاته. وتخاذلت مواقفه السياسية. وملأت الرشوة مكاتب موظفيه .. فضلًا عن التحلل الأخلاقي والفوضى الجنسية ..

(1) الفلوكلور معناه الفنون الشعبية من رقص وغناء وحفلات وطقوس .. إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت