الصفحة 106 من 142

وضاعت فلسطين .. وبلاد أخرى من بلاد المسلمين عرضة للضياع ..

وتحقق للصليبية الصهيونية في قرن واحد ما لم يتحقق لها من قبل في عدة قرون ..

إن التخلف العلمي والمادي والحضاري والسياسي والاقتصادي والحربي .. إلخ .. إلخ حقيقة واقعة ولا بد من إزالته.

ولكنا إذا ظللنا نحاول علاج الدمل من السطح بعمل جراحات تجميلية، دون العلاج الباطني الذي يزيل أسبابه، فسنبذل الجهد، ونوهم أنفسنا أننا نعمل، وتكون حصيلتنا هي تلك التي جنيناها في أكثر من قرن: تفاقُم المرض من الداخل، مع استمرار عمليات التجميل على السطح!

لا بد أن نعود إلى الأسباب الحقيقية التي أدت إلى التخلف: التفلت من التكاليف. الفكر الإرجائي. الصوفية. الاستبداد السياسي. فساد المفاهيم. التواكل. القعود عن العمل. انتشار البدع والخرافات ..

لا بد من تصحيح انحرافات العقيدة ..

لا بد أن نعلم أن ما يظنه المسلم المعاصر عقيدة صحيحة وإيمانًا كاملًا هو ثوب ممزق مملوء بالثقوب.

لا بد من الرجوع إلى فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم لمعنى لا إله إلا الله، ومقتضياتها في واقع المسلم: واقع سلوكه وواقع فكره وواقع مشاعره، وتحديد مصدر التلقي الذي يتلقى منه منهج حياته ..

وسيقول المسلم المعاصر: والمعدات الخاوية؟ والمصالح المعطلة؟ والشوارع المخربة؟ أنتركها حتى نصحح للناس عقائدهم؟!

وتلك قولة ساذجة سبق أن رددنا عليها في أكثر من كتاب.

إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصحح للناس عقائدهم لم يقل لهم: كفوا عن طلب الرزق، ولا تأكلوا ولا تشربوا ولا تتحركوا في الأرض حتى أصحح لكم عقائدكم!!

إنما قال لهم إن الله يقول لكم: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [1] .

وقال لهم إن الله يقول لكم: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [2] .

ووجههم توجيهات كثيرة في هذا المعنى، فصححوا عقيدتهم وهم يتحركون حركتهم البشرية الواقعية في كل اتجاه.

وهذا الذي ينبغي أن يعلمه المسلم المعاصر ..

عليه أن يتعلم. ويطور اقتصادياته. ويشتري أسلحته [3] . ويحسّن صحته. ويشق طرقه. ويطور أدواته. وهو يرسخ عقيدته، ويصحح تصوراته، ويعود إلى التلقي من عند الله وحده .. فيرجع إلى منبع قوته الحقيقي .. ويعالج أمراضه.

أما الوهم الآخر، الذي يقدمه التفسير المادي للتاريخ، من أن الإسلام كان حركة إيجابية تقدمية بالنسبة لوقته، ولكن التطور التاريخي استوعبه ثم سبقه، وأصبح الإسلام رجعية وتأخرًا ومعوقًا عن الحياة والرقي والتقدم، فهو وهم لا يستحق المناقشة لولا أن المسلم المعاصر معرض للتأثر به من كثرة ما صبوه في أذنيه ورأسه.

ما الذي تجاوز الزمن فيه الإسلام؟

(1) سورة الملك: 15.

(2) سورة القصص: 77.

(3) الأصل أن يصنّع أسلحته بنفسه ولكنا نتكلم عن الواقع!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت